تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
في تحقق الوقوع وقد عرفت دلالة الآيات على ذلك في هذه السورة وسابقها وفيما قبلها . فان قلت لا يعرف الناس من الآيات الّا الظواهر وهي غير ما ذكرت فأين الدلالة والاشعار واين الثبوت عندهم في ذلك الزمان . قلت نعم دلالة الآيات على ما ذكرنا بالقرائن العقلية والامارات النقلية لا يعرفها الّا الحكماء الراسخون في العلم من الأنبياء والائمّة ع ومن حذا حذوهم في الحكمة الإلهية وغيرهم جاهلون بها لا يعرفون من الآيات الّا المعاني الظاهرة عند عامة الناس لكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لمّا كان عالما بالمراد بها فله بمقتضى البشرية امكان هذا التوهم في نظره الشريف فحسن دفعه بتنزيل الآية مع انّ كلام اللّه متوجه إلى من خوطب به وهو النبىّ صلّى اللّه عليه وآله وأهل بيته المعصومون ع وبالجملة انّما نزلت الآية لدفع التوهم وتوهم كلّ بحسبه امّا النبي صلّى اللّه عليه وآله فكما عرفت والخديجة والمشركون فكما سمعت ويدل على ما ذكرناه قوله تعالى :
وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى
حيث انّ اتّصال هذه الآية بما قبلها لا يحسن الّا على ما ذكرناه وبيانه انّ من جملة ما ثبت في عالم القضاء والقدر بمقتضى الحكمة الالهيّة والعناية الربانيّة امتياز الخبيثين من الطيبين والمنافقين من المؤمنين وهذا لا يتحقق الّا بتعاقب الدولتين دولة الحق ودولة الباطل فلا بد اما ان يتقدم دولة الحق ويتأخر الباطل واما ان يكون بالعكس وحيث انّ التقدم ملازم للانقضاء ومناف للدوام بخلاف التأخر فإنه لا ينافي الدوام ولا يلازم الانقضاء ولذا جعل المنظور والمطلوب في جميع الأمور عاقبتها ومن هنا أخرت شريعة محمّد صلّى اللّه عليه وآله على جميع الشرايع فإلى هذا المعنى أشار سبحانه بقوله
وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى
فالمراد من الآخرة ليس ما يقابل الدنيا كما زعمه جمهور المفسرين بل المراد منها ما يقابل الأولى والتقدم كما يظهر من رواية القمي عن الصادق عليه السّلام