انّ جميع ما ذكروه في غاية البون والبعد عن شأن من انزل فيه الرحمن علّم القرآن قبل خلق الانسان فانّ من علّمه اللّه القرآن لا يعرض له النسيان أصلا لكون علمه ظلّ علم الملك المنان .
وتحقيق الكلام في المقام يستدعى بيان مقدمة وهي انّ للقرآن نزولين أحدهما نزوله من مرتبة اللاهوت اى الأسماء والصفات إلى مرتبة الجبروت ويقال لها الملكوت بالمعنى الأعم وهذا دفعىّ وثانيهما نزوله من مرتبة الملكوت إلى مرتبة الناسوت اى عالم الطبيعة وهذا نجومىّ لكون تخصص الاستعداد من لوازم ذاتية الطبيعة وقد أشير إلى كلا النزولين في قوله تعالى
نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ
س 3 ى 2 و 3
ومن المعلوم انّ النزول والظهور في عالم الطبيعة يستدعى التعلّق بصورة جسميّة أو قالب مثالي فكما انّ ظهور النفس وقويها في عالم الطبيعة لا يكون الّا بتعلّقها بالبدن الجسماني فكذلك ظهور المعاني في عالم الطبيعة وتأثيراتها لا يكون الّا بتعلّقها بصور ذهنية وقوالب لفظية كما هو واضح عند أهله .
إذا عرفت هذا فاعلم انّ جميع حقايق القرآن ومعانيها قد نزل أولا من مرتبة اللاهوت اى الأسماء والصفات إلى الصّادر الأول والنّور الأقرب الأكمل والخاتم المرسل صلّى اللّه عليه وآله وهو امّ الجبروت فهو صلوات اللّه عليه وآله وأجد في عالم الامر لجميع حقايق القرآن بنحو الجمع والبساطة بدون ارتباط وتعلّق إلى اللّفظ والمثال .
ثمّ إذا تنزّل نوره المقدس إلى عالم الطبيعة وتعلّق روحه المجرد بجسده الشريف رحمة للعالمين وهداية الناس أجمعين وجب بمقتضى الحكمة القضائيّة والمصلحة القدريّة ان ينزل حقايق القرآن من مرتبة عقله القديس إلى مرتبة قلبه