الكتاب هنا بمعنى المكتوب وقد عرفت انّه عبارة عن الطينة الجامعة لجميع مقتضياتها وآثارها من العقايد الحقة والأعمال الصالحة بقرينة المقام والتعبير باليمين للاشعار بكون طينة علّييّن في الطرف الأقوى كما انّ مقابلها في الطرف الأضعف ولذا عبّر في الأولى بالانشقاق وفي الثانية بالالقاء والتخلىّ فمفاد الآية انّه إذا حصل الانشقاق والافتراق بين أرباب الطينتين وحصل لقاء الرب فامّا النفس الّتى اوتى طينتها بيمينها اى طرفها الأقوى وهو طرف الربّ وجهة الربط كما عرفت .
قوله تعالى
فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً
الفاء للتفريع على إيتاء الكتاب باليمين وحرف سوف المشعر لزيادة السرعة للإشارة إلى قوله تعالى
وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ
س 2 ى 198 والمحاسبة مفاعلة من حسبه من باب نصر اى عدّه فمعنى المحاسبة تعداد شيئين متقابلين كالداخل والخارج والجيّد والردىّ والحسنة والسيّئة لتعين النسبة بينهما من تساويهما أو زيادة اىّ منهما على الاخر وبذلك يتحقّق معنى المفاعلة فلا مجال لاستشكال الرازي في المقام بانّ المحاسب هو اللّه فقط فأين المفاعلة وجوابه بانّ العبد يعدّ حسناته واللّه يعدّ سيّئاته فيتحقّق المفاعلة .
وأنت خبير بانّ مقتضى العدل الإلهي فضلا عن الكرم الرباني عدّ السيّئات والحسنات جميعا وعدم ترك شئ منهما كما هو أوضح من أن يخفى والمحاسبة في المقام عبارة عن ملاحظة الآثار الصادرة من النفس بمقتضى طينتها الاصلّية وهي طينة علّييّن في قبال الآثار الصادرة منها بمقتضى ما عرض خلطها من طينة سجين وحيث انّ طينة علّيّين هنا أصل وذاتىّ فلا زوال لها ولاثارها ولكن طينة سجّين عارضة والعارض يزول فتزول آثارها أيضا وبذلك يصير الحساب يسيرا فانّ الفرق بين اليسر والسهولة كالفرق بين العسر والصعوبة انّ السهولة والصعوبة عبارة عن الرخاء والشدّة الحاصلة في ذات الشئ بحسب نفسه كما في قوله تعالى
وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ