ويشترك التمثّل والتحديث في غير الأنبياء من الأوصياء والصّدّيقين في أنّه ليس فيهما شيء من التشريع والأحكام والحلال والحرام ؛ بل كلاهما من قبيل البشارات والأحوال الشخصيّة والإخبار بالغيوب ونظائرها .
الآية السّادسة عشرة :
قال تعالى :
« وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ » .
( الأنبياء / 91 )
بيان :
الظّاهر أنّ المراد بالنفخ هو الإلقاء . كما في قوله تعالى :
« إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ » .
( النساء / 171 ) فإن المراد بالرّوح المنفوخة ، هي الكلمة الملقاة إليها بقرينة هذه الآية .
وحيث إنّ إلقاء هذه الكلمة المباركة إلى مريم ، من فعله تعالى ومن صنعه العجيب الباهر وليس إلّا على سبيل الإعجاز الخارق للعادة والخارج عن سنن الأسباب والعلل العاديّة ، وفعله تعالى لا كيفيّة له ولا طور ، فلا سبيل إلى تصوّر هذه الكلمة الملقاة وتعقّلها وادراكها ونيلها من حيث المعنى المصدريّ .
فالحاصل انّ هذا المورد من مصاديق قوله تعالى :
« إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » .
( مريم / 35 )
فالرّوح والكلمة أمران متّحدان من حيث المصداق ، والاختلاف في التعبير بحسب العناية الملحوظة في كلّ واحد منهما . فلعلّه يسمّى كلمة بلحاظ أنّها حصلت بكلمة « كن » من باب إطلاق السبب على المسبّب . ويسمّى روحا باعتبار أنّ هذه الكلمة المباركة واجده لروح القدس وحاملة للعرش العلميّ ؛ كما أشرنا إليه في تفسير قوله تعالى :
« وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ » ،
وأوردنا في المقام ما رواه الكلينيّ في الكافي 1 / 133 ، مسندا عن حمران قال :