تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
ومعنى التمثّل هو الّذي ذكرناه ، وأمّا ما ذكره هذا المفسّر من معنى التمثّل لم أحصّل على معناه . واللّه عالم بكلامه . فإن أريد أنّ التمثّل بهذا المعنى ، إنّما حصل بتصرّف جبرائيل في حاسّتي مريم - عليها السّلام - - أي : بصرها وسمعها - فيشكل الالتزام به ، لعدم مساعدة بعض الموارد على ذلك مع كثرتها بحيث قد صارت أمرا عاديّا . كما في قصّة مجيء الملائكة إلى إبراهيم - عليه السّلام - وسارة ، وبشارتهم إيّاه وسارة بغلام عليم ؛ ومجيء الملائكة إلى لوط ، وظهورهم لقوم لوط ؛ وكذلك مجيء جنود الملائكة يوم بدر لإمداد المسلمين . ولا يخفى أنّ مورد هذه الآية الدالّة على تمثّل جبرائيل وكذلك تمثّل غيره من الملائكة ، ليس من باب التحديث . فإنّ التحديث عبارة عن سماع صوت الملك من غير مشاهدة شخصه . وبهذا يعلم الفرق بين هذه الآيات الواردة في تمثّل جبرئيل وغيره من الملائكة ، وبين الآيتين في سورة آل عمران / 42 و 45 . حيث قال تعالى :
« وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ » .
« إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ » .
ففي التمثّل تنزل الملائكة عن رتبتها وموطنها الأصليّ إلى عالم الدنيا ، بخلاف التحديث ؛ فإنّ الملك ينادي من ينادي من الأوصياء والصدّيقين ويكلّمهم من وراء حجاب ، من غير مشاهدة شخصه ومن غير تمثّل . وفي تلك الآيات دلالة على أنّ مريم الصدّيقة قد كانت محدّثة ، مثل سيّدتنا الزهراء الصّدّيقة - صلوات اللّه عليها . وقد حدّثها جبرائيل بعد وفاة أبيها ، وسمعه عليّ - عليه السّلام - وكتبه عنه . وهو المعروف بمصحف فاطمة الّذي هو من مواريث الإمامة .