ومنشأ ما ذكرنا من التوهّم إنّما هو أنّ العصمة مانعة من الذّنوب إيجابا وإلجاء .
قال السيّد ( قده ) في الرياض / 196 في مطلع شرحه على الدعاء : إن الشيطان ليس له سلطان على عباد اللّه المخلصين ؛ لقوله تعالى :
« إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ »
[ الحجر / 42 ] وقول الشّيطان :
« إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ » .
[ ص / 83 ] فما الفائدة في أمره - سبحانه - سيّد أنبيائه وأخلص أصفيائه بقوله :
« فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ »
وقوله :
« قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ »
؟ وكيف استعاذ منه سائر الأنبياء المرسلين والأئمّة المعصومين ؟
والجواب : إنّ الكلام في صحّة الاستعاذة ، كالكلام في سائر الأدعية والعبادات الّتي جعلها اللّه سببا وواسطة لحصول الكمالات العاجلة والآجلة للنبيّ .
فجعل الاستعاذة لدفع سلطان الشّيطان ، والعبادة سببا لجلب رضوان الرحمن .
أقول : الظّاهر أنّه ( قده ) يقل إنّ الاستعاذة مثل الدعاء وغيره من العبادات ، عبادة اختياريّة ، والعصمة لا تخرج المعصوم عن كونه مكلّفا عاديّا كغيره من المكلّفين . فإنّ العصمة لا تنافي القدرة ولا تنافي ارتكاب المعصية عن قدرة واختيار واتّباع الشيطان كذلك . فعلى المعصوم التحرّز والاتّقاء من الشّيطان ، كما على غيره من الأفراد العاديّين ، بل المراقبة والمواظبة بالنسبة إليه أشدّ .
قال المحقّق الطوسيّ ( قده ) في التجريد / 287 : ولا تنافي العصمة القدرة . وقال العلّامة الحليّ ( قده ) في شرحه بعد نقل الأقوال في العصمة : والمصنّف اختار المذهب الثاني وهو أنّ العصمة لا تنافي القدرة ، بل المعصوم قادر على فعل المعصية ، وإلّا لما استحقّ المدح على ترك المعصية ولا الثّواب ولبطل الثواب والعقاب في حقّه ، فكان خارجا عن التكليف . وذلك باطل بالإجماع .
وفي البحار 17 / 94 ، عن السيّد المرتضى ( قده ) عن كتابه الدّرر والغرر : اعلم أنّ العصمة هي اللّطف الّذي يفعله اللّه تعالى ، فيختار العبد عنده الامتناع عن القبيح . فيقال على هذا : إنّ اللّه عصمه .
أقول : ما ذكره ( قده ) هو الحقّ المبين . فإنّ المعصوم إنّما يستفيد من اللّطف