تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 732

مساهمون:

ص٧٣٢
ذات يوم لأصحابه : « ألا إنّه قد دبّ إليكم داء الأمم من قبلكم ؛ وهو الحسد . ليس بحالق الشعر ، لكنّه حالق الدّين . . . . » أقول : العدالة اللّغويّة الّتي اعتبرها الشّارع في جواز التصدّي لمنصب القضاء والإفتاء والإمامة ، لا يكفي فيها الاجتناب عن المحرّمات الظّاهريّة فقطّ ، بل الواجب هو الاجتناب عن جميع المحرّمات والفواحش الرّوحيّة القلبيّة والظّاهريّة الّتي ينالها الإنسان بالعقل . مثال ذلك قوله تعالى :
« وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها . فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها . قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها . وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها » .
( الشمس / 7 - 10 ) سواء كان هذه الفجور قالبيّا شرعيّا أو قلبيّا عقليّا ؛ مثل الكفر باللّه والنّفاق وإضمار العداوة لأوليائه وخاصّة لرسوله وأصفيائه والمؤمنين . ومن جملتها الحسد على ما آتاهم اللّه - سبحانه - من فضله وكرامته . فيجب على أهل العبرة والاستبصار التطهّر من جميع الأدناس الروحيّة والظّاهريّة ، ومن الحسد الّذي أمر اللّه تعالى رسوله وصفيّه وجميع المؤمنين أن يتعوّذوا باللّه - سبحانه - من شرّ الحاسدين . فتبيّن ممّا ذكرنا أنّ قبح الحسد عقليّ . فعليه تكون الرّوايات الواردة في هذا الباب تذكرة وإرشادا إلى هذا الحكم العقليّ . وقوله تعالى :
« إِذا حَسَدَ »
الظّاهر أنّه مسوق لبيان متعلّق الاستعاذة وتشريحه ، لا لإفادة المفهوم ونفي الاستعاذة عن شرّ غير مورد حسده . بيان : الظّاهر في قوله - صلّى اللّه عليه وآله - : « رفع عن أمّتي تسعة : الخطأ والنسيان . . . والحسد والطيرة والتفكّر والوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفته » أنّ المرفوع هو المؤاخذة لا الحكم الشرعيّ . وأمّا إذا نطق بشفته في الحسد وأمثاله ، فليست المؤاخذة مرفوعة عنهم . فعلى هذا تكون الأخبار الواردة في تشديد الإنكار على الحاسدين ، تذكرة وإرشادا على التحريم بحسب العقل . فيدلّ حديث الرّفع على رفع المؤاخذة عن الحاسد والعفو عنه تفضّلا ، ما لم يظهره بلسانه .