أقول : الإتيان بالفعل الماضي بعد هذه الأسماء كأنّه في مرتبة التفريع والاستنتاج ممّا تقدّم من معاني الأسماء .
قوله تعالى :
« فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً
( 5 ) » .
عطف على « أثرن » ومترتّب ومتفرّع منه أيضا . أي : بعد ما أثاروا بالمكان غبارا أو صياحا وحملوا حملة رجل واحد ، غلبوا وتقلّبوا على مراكز عسكر الأعداء وأوساطهم .
قوله :
« جَمْعاً »
الظّاهر أنّه مصدر ومنصوب بفعل من جنسه . أي : فوسطن وجمعن به جمعا . وأمّا الجمع بالمعنى الاسميّ - كما نقل الشيخ في التبيان 10 / 397 عن قتادة ومجاهد - غير ملائم لظاهر الآية الكريمة .
قوله تعالى :
« إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ
( 6 ) » .
هذا وما عطف عليه من الجمل ، هي المقسم بها بالأقسام السّابقة . أريد بالقسم تأكيد مفادها وتثبيته . وأكّد ذلك بإنّ المشدّدة ولام التأكيد أيضا .
والكنود بحسب اللّغة - كما ذكر في القاموس - مطلق شامل لجميع أنواع الكفر الوارد في القرآن الكريم ؛ إلّا أنّ القدر المتيقّن هو الكفر بنعمه وبمواهبه تعالى . قال تعالى :
« لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ » .
( إبراهيم / 7 ) ضرورة أنّ الآيات الكريمة ليست مسوقة لبيان كفر الإنسان به تعالى وتوحيده واليوم الآخر وبما جاءت به رسله من الشرائع ، بل الآيات مسوقة لتوبيخ الإنسان وذمّه على دناءة نفسه ونسيان ربّه وتلوّث باطنه وتلاعبه بأهوائها المضلّة وأنّه لا يشبع من الدنيا ولا يرضى بما أعطاه اللّه تعالى .
قوله تعالى :
« وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ
( 7 ) » .
الظّاهر أنّ الضّمير في قوله : « إنّه » راجع إلى الإنسان الكنود . والشّهيد والشّاهد قد يطلق ويراد منه مرتبة التحمّل وحصول العلم وتحصيله بعناية أنّ الشهيد من حضر الموقف وعاين الحادثة . وقد يطلق ويراد منه مقام أداء الشّهادة في مجلس القضاء وأمثاله . قال تعالى :