تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 636

مساهمون:

ص٦٣٦
واعلم أنّه لا يبعد أن يكون موقف مشاهدة الأعمال هو موقف الحكم بالجزاء والقضاء بالعدل والفضل منه - سبحانه - إلّا أنّ العناية الملحوظة في إراءة الأعمال غير العناية في الحكم والقضاء بالجزاء فضلا أو عدلا ثمّ المؤاخذة بالجزاء أو التفضّل في العطاء . فلا بدّ للمفسّر في تفسير الآيات مراعاة كلّ واحدة من العنايتين . قوله تعالى :
« فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ( 7 ) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
( 8 ) » . تفريع من الآية السّابقة . أي : إنّه تعالى يريهم أعمالهم ويعرّفها لهم فيرونها ويعرفونها . وفيها تفصيل لما قد يتوهّم من الإجمال فيها . أي : ترى كلّ نفس جميع ما عملت ، قليلها وكثيرها وصغيرها وكبيرها ، ولو كان مثقال ذرّة ، خيرا أو شرّا . قال تعالى حكاية عن لقمان :
« يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ » .
( لقمان / 16 ) فالمتحصّل في المقام : إنّ الرؤية هو العلم والعرفان بالأعمال بقراءة الكتاب ، بحيث إذا نظر في الكتاب يعرف جميع أعماله مع جميع مشخّصاتها ؛ لقوله تعالى :
« لِيُرَوْا »
- بضمّ الياء . أي : إنّ الإراءة فعل من اللّه . والرؤية فعل العاملين . والكتاب والعمل هما المرئيّان والمقروءان . والمستفاد من الأدلّة القطعيّة في الكتاب والسنّة ، أنّ الأعمال مكتوبة في الصحائف بواسطة الملائكة الموكّلين بها ويعبّر عنها بالكرام الكاتبين . وللفلاسفة في تفسير الآيات والسّنن الكثيرة الدالّة على كتابة الملائكة وقراءة الكتاب والأعمال تأويلات باردة ، تحفّظا على أصولهم الواهية . فزعموا أنّ النشأة الآخرة التالية للدّنيا نشأة مجرّدة وكلّ ما فيها من الحقائق أعيان مجرّدة . فالمراد عندهم من كتابة الأعمال ثبوت صور الأعمال في صحيفة ذات الإنسان . والمراد من الملك العامل الأصيل في ثبوت تلك الصّور هي الهيئة الراسخة . أعرضنا عن تفصيلها . فمن أراد ذلك ، فليطلب من مظانّها .
مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 636 | محمد باقر الملكي الميانجي