الملّة والشّريعة والدّين بمعنى واحد - أي متقارنات لا مترادفات - فيعود الإشكال من حيث إضافة الدّين إلى الملّة والشّريعة . فكأنّهم زعموا أنّ الملّة بمعنى الجماعة . وهم أعرف بما قالوا . والأظهر عندنا أنّ القيّمة نعت وصفة مثل قائم وقوّام - بالضمّ والفتح . يقال : فلان قائم بالقسط والعدل ، وفلان قيّم للجند والملك ، والرّجال قوّامون على النساء والقوّامون بالقسط .
ففي المجمع 10 / 523 : قال النضر بن شميل : سألت الخليل عن هذا . فقال :
القيّمة جمع القيّم . والقيّم والقائم واحد . فالمراد : وذلك دين القائمين للّه بالتوحيد .
انتهى . لعلّ مراد الخليل من أنّ القيّمة جمع القيّم ، أنّ القيّمة في هذه الآية وقعت صفة للجماعة القائمين بتوحيد اللّه وشرائعه وعلومه ومعارفه .
قوله تعالى :
« إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها » .
أقول : الظّاهر في الآية الكريمة أنّ هؤلاء الكفّار أداموا وأصرّوا على كفرهم بكتبهم وبالحجج القيّمة عندهم وكفروا أيضا بالقرآن الكريم وبما جاءهم من الآيات البيّنات . ثمّ عاد الكلام على وعيدهم بالنّار فقال تعالى :
« فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها »
مجازاة على امتناعهم وعنادهم عن قبول الحقّ بعد ما عرفوه .
قوله تعالى :
« أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ
( 6 ) » .
البريّة مأخوذ من برأ يبرأ ، فعيل بمعنى المفعول ، مثل الخليفة وزنا ومعنى . ولعلّ الفرق بينهما أنّ البرء عبارة عن تكوين ما قدّر ، والخلق عبارة من تقدير ما يريد تكوينه . وإطلاق الخلق على الموجود العينيّ ، لعلّه من باب إطلاق السّبب على المسبّب .
والشرّ مصدر أو اسم مصدر يراد منه الإنسان الشرور للمبالغة من باب زيد عدل . وهذا هو المراد في هذا المقام . وقد يطلق ويراد منه ما يصدر عن الأشقياء والفسقة من الأمور المخالفة للعقل والشّرع من الجنايات والتجاوز على نفوس النّاس وحقوقهم وتمرّدهم في مقابل سلطانه - تعالى شأنه - ومخالفة أمره . وقد يطلق على