تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 624

مساهمون:

ص٦٢٤
الإخلاص أيضا إذا أتى المأمور به لأجل أمره تعالى بها فقط . وأمّا العبادات الذاتيّة ؛ واجباتها ومحسّناتها ممّا يتقرّب بها إلى اللّه ، فلا يحتاج فيها في عباديّتها إلى الأمر ، بل يشترط فيها وفي ترتّب آثار العبادة عليها قصد الإخلاص والتقرّب بها إلى اللّه - سبحانه - لا يريد بها رضى أحد ومحمدته من النّاس . فمن طلب بهذه العبادات . الذاتيّة محمدة أحد من النّاس فقد عبد غيره . تعالى شأنه . فقد تبيّن من جميع ما ذكرنا الفرق بين الإخلاص في الدّين والإخلاص في العمل - وبعبارة أخرى : الفرق بين الإخلاص في العبوديّة والإخلاص في العبادة - وأنّ الآية في مقام التوبيخ والتقريع لأهل الكتاب في تفرّقهم عمّا أمرهم اللّه - سبحانه - به من الإيمان بتوحيده والتديّن بالدين الخالص عن لوث الشرك والبدع الّتي أحدثوها . وتحصّل أيضا أنّ الآية الكريمة أجنبيّة عن إفادة وجوب النيّة في العبادات المفروغ عباديّتها ، أو شرطيّة النيّة فيها ، أو وجوب الإخلاص في العبادة بمعنى الجزئيّة والشرطيّة ؛ وأجنبيّة أيضا عن إفادة أصالة العباديّة في كلّ ما أمروا إلّا ما خرج بالدّليل . قال الجصّاص في كتابه أحكام القرآن 5 / 374 : فيه أمر بإخلاص العبادة له وهو أن لا يشرك فيها غيره . لأنّ الإخلاص ضدّ الإشراك . وليس له تعلّق بالنيّة لا في وجودها ولا في فقدها . وفي المجمع 10 / 523 :
« وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ » ؛
أي : لم يأمرهم - تعالى شأنه - إلّا لأن يعبدوا اللّه وحده لا يشركون بعبادته . واختار ذلك العّلامة الشيخ الأنصاريّ ( قده ) في كتاب الطّهارة / 78 وحكاه عن البيضاويّ والنيشابوريّ وعن الشيخ البهائيّ ( قده ) . قوله تعالى :
« حُنَفاءَ » .
حال من فاعل « ليعبدوا » . أي : مائلين إلى الحقّ بمعرفتهم الفطريّة والتوحيد الفطريّ بخلع الأنداد والأضداد عنه - سبحانه - معرضين عن الباطل بكفرهم بكلّ معبود سواه وبكلّ مطاع دونه - سبحانه .
مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 624 | محمد باقر الملكي الميانجي