لما ذكرنا من عموم متعلّق الاختلاف وأنّ المراد من البيّنة أي البيّنة الّتي كانت موجودة عندهم .
وقد استظهر بعضهم أصالة العباديّة في كلّ واجب بمعونة الحصر الواقع في قوله تعالى :
« لِيَعْبُدُوا » .
قال الشيخ ( قده ) في التبيان 10 / 390 : وفي الآية دلالة على وجوب النيّة في الطّهارة . لأنّه بيّن تعالى أنّه أمرهم بالعبادة على الإخلاص ولا يمكن ذلك إلّا بالنيّة والقربة . والطّهارة عبادة ؛ لقوله - صلّى اللّه عليه وآله - : الوضوء شطر الإيمان . وما هو شطر الإيمان لا يكون إلّا عبادة .
وقال في كنز العرفان 1 / 32 : دلّت على وجوب النيّة في كلّ عبادة . فيدخل فيه الطّهارات الثّلاث المتقدّمة .
وقال العلّامة الشيخ الأنصاريّ ( قده ) في كتاب الطّهارة ما خلاصته : واستظهر بعضهم من الآية أصالة العباديّة في كلّ واجب إلّا ما أخرجه الدليل .
أقول : سيجيء في ذيل البحث التعرّض إلى ما هو التحقيق في المقام - إن شاء اللّه .
والعبادة في اللّغة هي التذلّل والخضوع . قال في القاموس 1 / 322 : العبادة :
الطّاعة . وفي مرآة الأنوار / 232 : واعلم أنّ العبادة لغة الطّاعة ؛ وهي الانقياد والخضوع والتذلّل .
أقول : العبادة إمّا ذاتيّة - مثل السّجود والدّعاء والتسبيح والتكبير والثّناء والتحميد - من دون احتياج إلى الأمر بها ومن دون احتياج إلى قصد أمرها ، لصدق الخضوع والتّذلّل بالإتيان بها بالحقيقة ولاستقلال العقل بحسنها وحسن التقرّب بها نعم ؛ يحتاج في التّقرّب بها إلى قصد الإخلاص في إتيانها . وإمّا مولويّة يحتاج تحقّق التذلّل والخشوع إلى الأمر بها وإلى قصد أمر المولى عند العمل بها .
ضرورة أنّ انتساب العمل وإضافته إلى المولى ، لا يعقل إلّا بأمره وبقصد أمره أيضا .
فلا محالة يكون إتيان العمل في المورد الّذي ليس عبادة ذاتيّة بدعة وحراما إذا لم يكن أمر من المولى . ولو أمر بها ولم يقصد العامل أمره ، فلا يعقل أن يكون خضوعا وتذلّلا للآمر ، كما أنّه لا يعقل انتسابه وإضافته إلى المولى إذا لم يأمر به .