قوله تعالى :
« وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ
( 4 ) » .
الظّاهر أنّ المراد من البيّنة في المقام هي الحجج والرّسل والكتب الإلهيّة الّتي كانت موجودة عندهم وقد تفرّقوا عنها واختلفوا فيها .
وقيل : إنّهم كانوا متّفقين في البشارة بمجيء محمّد - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قبل بعثته . وإنّما اختلفوا وتفرّقوا بعد ظهوره . وهو المراد من البيّنة .
وقيل : إنّهم اختلفوا وتفرّقوا عن محمّد - صلّى اللّه عليه وآله - والبشارة به ، مع الحجّة الّتي كانت موجودة عندهم .
والأظهر ما ذكرناه من عموم متعلّق التّفرقة والاختلاف في الشؤون الدينيّة ومن جملته البشارة ، وأنّ المراد من البيّنة هو جنس البيّنة ؛ أي : البيّنات الموجودة والحجج القائمة عليهم . ورأس النّفاق والاختلاف هم حملة الكتاب وقد دبّ وسرى الاختلاف منهم إلى العوامّ المقلّدة . وما أوقعهم في هذا الاختلاف إلّا البغي والأهواء والأغراض ، لا البحث والفحص في طلب الحقّ . إذ لا مورد للتّرديد والاختلاف مع وجود الحجّة القائمة عندهم . وقد اختلفوا في الكتب الّتي أنزلها - سبحانه - لإقامة القسط والعدل . قال اللّه تعالى :
« كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ . . . » .
( البقرة / 213 )
« إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ » .
( آل عمران / 19 )
قوله تعالى :
« وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ . . . » .
فما أمرهم اللّه بالاختلاف وما أنزل اللّه كتابا ناقصا ولا حجّة قاصرة كي يختلفوا في دين اللّه . وإنّما أمرهم ليعبدوا اللّه موحّدين . وفي هذه الآية شهادة ودلالة