وقوله تعالى :
« صُحُفاً »
بصيغة الجمع ، لعلّه للإشعار بما يقرأ ويتلو من سور القرآن وأبعاضها النازلة في الشّؤون الخطيرة المختلفة في عرض نبوّته ورسالته إلى يوم وفاته . وإطلاق القراءة والتّلاوة على الصّحف ، مع أنّ المقروء والمتلوّ ما تحتويه الصحف ، بعناية إطلاق المحلّ على الحالّ فيه ؛ مثل إطلاق الكتاب على ما كان مكتوبا فيه .
أقول : ولا يبعد أن يقال : إنّ هذه الصّحيفة المطهّرة بمنزلة قوله تعالى :
« إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ . فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ »
ومثل قوله تعالى :
« بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ . فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ » .
وقد أشبعنا الكلام فيما تقدّم أنّ كون القرآن في الكتاب المكنون إنّما هو بالوجود العلميّ لا بالوجود العينيّ . وهذا الكلام بعينه في اللّوح المحفوظ وفي الصحيفة المطهّرة أيضا . فإنّ القرآن مصدر بمعنى المقروء ولا دليل على كون القرآن المقروء في الصحف المطهّرة وفي اللّوح المحفوظ وغيرهما من الصّحف النوريّة موجودا مجرّدا بالوجود العينيّ .
قوله تعالى :
« فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ
( 3 ) » .
بيان : تنقيح البحث يحتاج إلى بيان أمرين :
الأوّل : الكتب جمع الكتاب . والكتاب في أمثال المقام مصدر بمعنى المكتوب .
وقد ذكر بعض المفسّرين أنّ كتب بمعنى فرض . وهو الظّاهر من عبارة المجمع 1 / 271 في تفسير قوله تعالى :
« كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ »
( البقرة / 183 ) وهي : أي : فرض عليكم العبادة المعروفة في الشرع .
وفيه أوّلا أنّ الوجوب يستفاد من قوله تعالى :
« فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ » .
فلعلّ قوله تعالى :
« كُتِبَ عَلَيْكُمُ »
مسوق لتشريع أصل الصّوم فرضا كان أو مندوبا ، لا لوجوبه .
وثانيا أنّه منقوض باستعمال « كتب » في غير مورد الفرض أيضا . قال - تعالى شأنه - :
« كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ » .
( البقرة / 180 ) فالآية الكريمة بقرينة ذيلها ، صريحة