تعالى :
« حَتَّى »
ليس المراد أنّ إصرارهم على ما كانوا عليه قد انقضى بإتيان البيّنة ؛ فإنّهم كانوا على بيّنة قبل هذه البيّنة أيضا . بل المراد أنّهم لا يزالون مصرّين على ما كانوا عليه إلى أن فجأتهم البيّنة ففضحت عللهم وقطعت أعذارهم . ولا دلالة فيها على انقضاء ما قبل « حتّى » ، بل الظّاهر شمول التوبيخ والاحتجاج عليهم قبل هذه البيّنة وبعدها أيضا . وهذا التوبيخ والاحتجاج هو الغرض الأصيل في الآية الكريمة .
قوله تعالى :
« رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً
( 2 ) » .
بيان أو بدل من البيّنة .
والصّحيفة قد تطلق ويراد منها ما تكتب وتنقش فيها الحقائق والأعيان ؛ مثل القرطاس والحديد والخشب وأمثالها . وهناك صحيفة أخرى أعلى وأجلّ من القرطاس والحديد وغيرهما ؛ وهو العلم بعدّة من الحقائق والأعيان فيحتويها هذا العلم مع جميع مشخّصاتها وجزئيّاتها ، وهو المصون المعصوم بذاته . فمن كان واجدا لهذا العلم ولهذه الصحيفة القدسيّة ، يعرف جميع ما يحتويها . ونظير الآية الكريمة المبحوثة قوله تعالى :
« إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ . فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ » .
( الواقعة / 77 و 78 )
« بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ . فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ » .
( البروج / 21 و 22 )
ويؤيّده قوله تعالى :
« يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً » .
فإنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - ما كان يتلو القرآن في شيء من المصاحف وإنّما يتلوها عن ظهر قلبه . ولا يهمّنا التعرّض بأنّه يعرفها بعد نزول جبرئيل أو قبل نزوله . فإنّ البحث عن ذلك خارج عن تفسير الآية المباركة .
وقوله تعالى :
« مُطَهَّرَةً »
نعت للصّحف . أي : مصونة ومعصومة عن الخطأ والخبط واللّغو واللّهو والنسيان والكذب والباطل . ضرورة أنّ المتكلّم بهذا القرآن هو اللّه - تعالى - فقد أنزله بعلمه - تعالى شأنه - والواسطة هو جبرائيل الرّسول الكريم المكين المقرّب عند اللّه ذو قوّة عند ذي العرش - جلّ ثناؤه - والمخاطب هو رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - المؤيّد بروح القدس وبهذا الروح يتلقّى النبوّة والرسالة وبه يتحمّل ويحفظ ويبلّغ .