مَكْنُونٍ »
نعت ثان للقرآن ؛ أي : محفوظ ومصون عن التغيير والتبديل . وهو اللّوح المحفوظ . كما قال تعالى :
« بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ . فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ » .
( البروج / 21 و 22 ) قوله تعالى :
« لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ »
صفة للكتاب المكنون . ويمكن أن يكون وصفا ثالثا للقرآن . ومآل الوجهين على تقدير كون « لا » نافية واحدا . والمعنى : لا يمسّ الكتاب المكنون الّذي فيه القرآن إلّا المطهّرون . أو : لا يمسّ القرآن الّذي في الكتاب إلّا المطهّرون . والمطهّرون اسم مفعول من التطهير . وهم الّذين طهّر اللّه - سبحانه - نفوسهم من أرجاس المعاصي وقذارات الذّنوب ، أو ممّا هو غير المناسب للمسّ الّذي هو العلم دون الطّهارة من الخبث أو الحدث كما هو ظاهر .
أقول : القرآن مصدر بمعنى المفعول ؛ أي : المقروء ومن جنس ما يقرأ ويتلى .
قوله تعالى :
« كَرِيمٌ »
نعت وتمجيد للقرآن المبين ؛ أي : ذو كرامة ومكانة عند اللّه - سبحانه - لاشتماله على أصول العلم وأمّهات الشرائع والمعارف والحقائق الأصيلة . قوله تعالى :
« فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ »
نعت ثان للقرآن الكريم . ولمّا يعلم ما المراد من الكتاب المكنون واللّوح المحفوظ ونظائرهما . فيحتمل قويّا أن يكون المراد في المقام صحيفة نوريّة ؛ أي : العلم المفاض على عدّة من أوليائه الكرام من الملائكة المقرّبين والأنبياء والرّسل والصدّيقين .
ومعنى كون القرآن في هذا الكتاب المكنون في مرتبة كونه مقروءا ومتلوّا ، كونه معلوما بهذا العلم عند حملته ، لا كون القرآن المقروء والمتلو بنحو من الثّبوت والتجرّد في هذا الكتاب وفي هذا اللّوح . فهؤلاء الحملة الكرام يعلمون القرآن ويحصونه بحقيقة العلم والإحصاء ويشهدون أنّه حقّ مبين لا ريب فيه . كما في قوله تعالى :
« وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ » .
( يس / 12 )
وقوله تعالى :
« لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ » .
هذا نعت ثالث للقرآن . والمراد من المسّ هو المسّ الظّاهريّ بين الأجسام . وليس في محاورات القرآن الكريم استعمال المسّ واللّمس بمعنى الإدراك سيّما إدراك الحقائق الغيبيّة النّوريّة . واستعمال لفظ المسّ واللّمس في القرآن الكريم ، إنّما هو في إلصاق الأجسام . قال تعالى :
« وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ » .
( البقرة / 237 )