تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 595

مساهمون:

ص٥٩٥
أقول : حديث حفص بن غياث ، وإن كان خبرا واحدا لا يمكن الأخذ به على نحو الجزم ، إلّا أنّه لا يجوز ردّه أيضا ، لعدم استحالة مفاده عقلا بحسب الواقع ؛ وهو كاف في دفع التّنازع القطعيّ بين نزول القرآن في عرض ثلاث وعشرين سنة وبين نزول مجموعه في شهر رمضان في ليلة القدر . أي يصير التّعارض احتماليّا لا قطعيّا . الثّاني : قال بعض المفسّرين في رفع الإشكال ما خلاصته : إنّه يحتمل أن يكون المراد من نزول القرآن في ليلة القدر ، نزوله في مرتبة جملته وكلّيّته وفي مرتبة تجرّده . وقد نزل على قلب رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - دفعة واحدة ، ثمّ برز إلى عالم التّفصيل والتّفريق نجوما وفصلا . واعتمد في ذلك على وجوه : الوجه الأوّل : إنّ لفظ « أنزل » ظاهر ومستعمل في النّزول الدفعيّ . ثمّ استدلّ على لفظ الكتاب الحاكي - على زعمه - عن مرتبة الكلّيّة والتجرّد . وفيه أوّلا أنّ الفرق بين « أنزل » و « نزّل » بالمعنى الّذي ذكره ، لا شاهد ولا دليل عليه ، لا بحسب المادّة ولا بحسب الهيئة . وثانيا أنّ استعمال « أنزل » في النزول التدريجيّ و « نزّل » في النزول الدفعيّ غير عزيز في القرآن الكريم . قال تعالى :
« طه . ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى » .
( طه / 1 و 2 )
« وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً » .
( طه / 113 )
« وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ » .
( البقرة / 99 ) والتّوجيه الّذي ذكره في قوله تعالى :
« وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً »
( لقمان / 10 ) وإرجاع « أنزل » إلى النزول الدفعيّ ، لا شاهد عليه ولا يجوز الأخذ به . وقد استعمل « نزّل » في مورد الكتاب أيضا . قال تعالى :
« ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ » .
( البقرة / 176 )
« نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ » .
( آل عمران / 3 )
« وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً » .
( نحل / 89 )