تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 583

مساهمون:

ص٥٨٣
المفاض على الإنسان من حيث إنّه موجود نوريّ عينيّ خارجيّ يتقلّب الإنسان في هذا النّور ويستضيء به ، من أكبر آياته تعالى في مرحلة الاستدلال به عليه تعالى ، سيّما في مختلف حالات الإنسان وتقلّباته . فيجده تارة ويفقده أخرى في نومه ويقظته وسهوه وغفلاته وشبابه وكبره . قال تعالى :
« وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَ فَلا يَعْقِلُونَ » .
( يس / 68 )
« وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً » .
( النّحل / 70 ) ومن نال العلم في مرتبة ، يرى ويعرف بالعلم أنّه متأبّ عن المعلوميّة والمعقوليّة والمفهوميّة وأنّ كلّ ما يعقل ويفهم إنّما يفهم به ؛ ويرى أنّ كلّ ما يعرف ويعلم ، مباين مع العلم بالمعلوميّة فيه وعدم المعلوميّة فيه . أي : استحال أن يكون العلم معلوما . فإنّ حقيقة ذاته عين الظّهور . فما أجهل من زعم أنّه من سنخ الأمور المادّيّة وأنّه ذاتيّ للإنسان ! كيف ؟ ! فإنّ العلم يفاض من اللّه - سبحانه - على الإنسان فيعلم ، ويقبض عنه فيجهل . وما أغفل من توهّم أنّ العلم متّحد مع المعلوم . فإنّ العالم أي الأنّيّة المظلمة الّتي تجد العلم ، ترى أنّها معلومة بالعلم وكذلك غيرها من المعلومات . والمصداق الواضح لهذا العلم هو العلوم الحقيقيّة النوريّة الضّروريّة الفطريّة تفاض على الإنسان من غير اختياره وتقبض عنه من غير اختياره . ولا يبعد شموله للعلوم العاديّة الّتي بها نظام العالم وهي معلومات بالحقيقة ، مثل القطع والفنون والصّنائع وأمثالها ، الّتي يمكن أن تتخلّف عن الواقع أحيانا . وهذه المعلومات وإن كانت تسمّى علما عرفا ، إلّا أنّها معلومات بالعلم الحقيقيّ . ولا يبعد أن تكون جميعها موردا للامتنان ومن آثار كرم ربّنا الأكرم الّذي علّمنا ما لا نعلم . فسبحانه من إله ما أكرمه ! قوله تعالى :
« كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى
( 6 ) » . بيان : قيل : « كلّا » ردع ومنع للتّذكير والتّنبيه على خطأ الإنسان الّذي طغى . وفيه أنّ كلّا بمعنى الرّدع فيما يكون قبلها عمل أو قول منكر وتكون كلّا