تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 582

مساهمون:

ص٥٨٢
صرّح بذلك في المجمع والتبيان . فإنّ صيغة أفعل إذا نسبت إليه تعالى ، يتجرّد وينسلخ عن معنى التّفاضل . إذ ليس في عرض ذاته تعالى وفي مرتبته شيء يساويه ، ولا في مقابل نعته نعت أحد يدانيه ، كي يكون تعالى أكمل منه في ذاته وفي نعوته . فلا محصّل لتوهّم التفاضل بينه تعالى وبين خلقه . قوله تعالى :
« الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ
( 4 ) » . أي : علّم الإنسان الكتابة بالقلم . فقد حذف كلا مفعولي « علّم » ويكون الجارّ متعلّقا بالكتابة أو الخطّ . هذا كلّه إن كان المراد من القلم هو القلم المتعارف المعهود . ولو كان المراد منه الكناية عن حقيقة القلم الغائبة عن حواسّنا وأفهامنا كما في قوله تعالى :
« ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ »
( القلم / 1 ) وكما هو كذلك في قوله تعالى :
« فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ »
( البروج / 22 ) ،
« وَكِتابٍ مَسْطُورٍ . فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ »
( الطور / 2 و 3 ) وأمثالها ، فسبيل التّفسير فيها غير الّذي ذكروه في المقام . وليس في ظاهر الآية ما يدفع هذا الاحتمال . ولا شاهد صادق على أنّ المراد هو القلم المتعارف . ولا يخلو حذف كلا مفعولي « علّم » من الإشعار بأنّ متعلّق التّعليم هو العموم . وإنّما يكون تعليم كلّ شيء بحسبه . واللّه العالم . ولعلّ العناية في إفراد تعليم الكتابة بخصوصه ، لأهمّيّته . فإنّه ركن أصيل في مدنيّة النوع الانساني ورقيّه إلى الفضائل المعنويّة والمادّيّة . قوله تعالى :
« عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ
( 5 ) » . الظاهر أنّ الآية الكريمة مسوقة لبيان النّعمة العظمى لهذا الإنسان وهدايته إلى ما لم يعلم ممّا يحتاج إليه في حوائجه ويضطرّ إليه في نظام حياته ومعاشه . فالتّعليم بالقلم وتعليم ما لا يعلمه الإنسان ، فعل من أفعاله تعالى وسنّة كريمة حسنة من سننه الباهرة العجيبة قد مجّد به نفسه . ومن حيث إنّه آية حادثة جديدة معلوم الحدوث ، يستدلّ بها على وجوده تعالى وعلى شيء من نعوته وكمالاته ؛ مثل خالقيّته وأنّه منبع الكرامة لا يقاس كرمه بكرم كريم سواه . فهذا الشّعور والعلم
مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 582 | محمد باقر الملكي الميانجي