تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 581

مساهمون:

ص٥٨١
فعلى عهدة المفسّر الباحث بيان هذه العناية وتفسيرها . ولعلّ العناية في الآية المبحوثة ، مقايسة هذه المرتبة من خلق الإنسان بالّذي ينتهي إليه عاقبة أمره . وقد كان ذرّا قبل النّسل ، فأجراه وأسكنه تعالى في الأصلاب . فلم يزل ظاعنا من صلب إلى رحم في تقادم من الأيّام الماضية والقرون الخالية ، حتّى ابتدأ تعالى خلقه من التّراب ، إلى أن خلقه من ماء مهين ومن منيّ يمنى واستحال إلى قطعة دم جامد . فانظر واعتبر أنّ هذه المادّة المهينة كيف سارت ومرّت من أهون المنازل وأخسها إلى أن صارت مضغة وجعلها تعالى بشرا وأخرجه إلى الدّنيا تامّا سويّا . فإذا وقع في صراط العبوديّة وشملته العناية الإلهيّة ، فيبلغ أعلى مدارج الكمال ، حاملا للعلوم الإلهيّة والحقائق والمعارف وعاملا بالفنون والصّنائع ؛ حتّى يبعث اللّه منهم نبيّا ورسولا وهاديا . فلم يزل يزداد رفعة وكمالا ويكون محلّا وموقعا للفيض الإلهيّ إلى الأبد ، مع التحفّظ بأصله وكونه إنسانا ترابيّا . فسبحانه من إله ما أعجبه وما أعجب صنعه ! فتحصّل في المقام أنّ هذه الآية تمجيد آخر للّه - سبحانه - بالنعت المذكور فيها . قوله تعالى :
« اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ
( 3 ) » . بيان : قد أمر اللّه - سبحانه - رسوله وصفيّه بالقراءة ثانية . فقيل : إنّ القراءة الأولى لنفسه ، والثّانية لبلاغه . وقيل : إنّ الثّانية للتأكيد . وفيه أنّ القضيّة ليست قضيّة شخصيّة ، بل هي حقيقيّة عامّة له - صلّى اللّه عليه وآله - ولغيره بوساطته أيضا . والّذي ينبغي أن يقال : إنّ متعلّق « اقرأ » في الآية الأولى هو الاسم والغرض فيها تمجيد الذّات الإلهيّة بالخالقيّة وبالنعوت الأخرى . والمتعلّق في الثانية الأعمّ من الاسم وغيره . فلا وجه لتوهّم التكرار وأصلا كي يحتاج في جوابه إلى القول بالتّأكيد وغيره . وقوله تعالى :
« الْأَكْرَمُ »
؛ أي : الأعظم كرما من أن يبلغ كرمه كرم كريم كما