وقيل : المراد من الأمين المأمون مثل الإنسان الّذي يؤدّي ما ائتمن عليه ويحفظه كما ينبغي من تجاوز غيره وخيانة نفسه تشبيها بالإنسان الأمين . والتّحقيق ما ذكرناه من دون التّأويل والتّشبيه .
قوله تعالى :
« لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
( 4 ) » .
جواب للقسم . والإتيان باللّام وقد لتحقيق مورد القسم وتثبيته . وقد ذكر الزمخشريّ ما ملخّصه : إنّ في القسم عناية بتعظيم ما يقسم به بلحاظ ما فيها من الخيرات والبركات .
أقول : قد عرفت ما فيه من الخدشة من رواية أهل البيت - عليهم السّلام - أنّ له تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه وليس لخلقه أن يقسموا إلّا به تعالى .
وفي المقام ما يدلّ على عنايته تعالى باصطفاء الإنسان بالتّقويم الأحسن . قال في القاموس 2 / 170 : قام الأمر : اعتدل واستقام .
ولا ريب أنّ في الآية الكريمة دلالة وتصريحا بأنّ التّعديل والتّقويم الّذي اختاره تعالى للإنسان أحسن من التّعديل والتّقويم الّذي لغير الإنسان من خلقه تعالى ؛ إلّا أنّ هذا التّفصيل لا دلالة فيه على أنّ غير الإنسان لا تعديل ولا تقويم في خلقه ، بل لكلّ واحد من خلقه تعالى ضروبا من الحكمة والمصلحة الّتي روعيت في خلقه وإيجاده . بل المراد في الآية الكريمة أنّ للإنسان في هذا التّعديل الحظّ الأعلى والنّصيب الأكمل من حيث تعديله الحسّيّ والمعنويّ من العقل والمعرفة وغير ذلك من الكمالات . بل يمكن أن يقال : إنّ انتصاب قامته وتحسين تركيب خلقه من جملة هذا التّعديل والتّقويم . قال تعالى :
« وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا » .
( الإسراء / 70 )
وفي نهج البلاغة في الخطبة الأولى في بيان خلقة آدم ، قال - عليه السّلام - :
« . . . ونفخ فيها من روحه فمثلت إنسانا ذا أذهان يجيلها وفكر يتصرّف بها وجوارح يختدمها وأدوات يقلّبها ومعرفة يفرق بها بين الحقّ