« يا من لا يبيع نعمه بالأثمان ، ويا من لا يكدّر عطاياه بالامتنان . . . . »
فصرّح - عليه السّلام - بأنّ عطاياه لا تكدّر بالامتنان . أي : لا امتنان في عطائه أصلا ، لا أنّ فيها امتنانا يؤثر فيه تكدّر العطيّة .
قال السيّد ( قده ) في رياض السّالكين / 169 : . . . . الامتنان بالمعنى المذكور رذيلة ناشئة عن دناءة النّفس وصغر الهمّة واستعظام النّعمة والإحسان . كان تعالى منزّها عن الامتنان . لأنّ كلّ نعمة من نعمه تعالى وإن عظمت ، وكلّ عطيّة من عطاياه وإن جلّت بالنسبة إلى العبد المعطى والمنعم عليه ، فهي حقيره بالنّسبة إلى عظمته - جلّت قدرته - وشأنه تعالى أجلّ من أن يكون لها عنده موقع فيمنّ بها ويفسدها على من أعطاه وأنعم عليه .
أقول : عبارة الدّعاء صريحة في تنزيهه تعالى من مبادلة نعمه بالأثمان وعن تكدير عطاياه بالامتنان . فلا يصحّ أن يقال : إنّ المنّ بالعطاء أو بعد العطاء إنّما يعدّ رذيلة إذا كان العطاء من مخلوق إلى مخلوق مثله . وأمّا إذا كان منه تعالى ، فحيث إنّه لا يقاس بالنّاس ، فالامتنان بالنّعم منه تعالى مدح له - سبحانه - كما أنّه من غيره قدح ورذيلة .
فاتّضح ممّا ذكرنا أنّ قوله تعالى :
« فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ »
في مقام تشريف الأجر وبيان صفته وأنّ هذا الأجر غير مشوب بشيء ممّا يكدّره بالمنّ وغيره . والآية الكريمة مثل عبارة الدّعاء ، فيها دلالة أيضا على أنّ ما يليق به تعالى من التفضّل بالأجر على الإيمان والصّالحات لا يشوب بشيء من الامتنان ، بل هي هنيئة صافية من كلّ تكدير . قال تعالى :
« الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ » .
( البقرة / 262 )
قال في المجمع 2 / 374 في تفسير الآية : المنّ هو ذكر ما ينغص المعروف ؛ كقول القائل : أحسنت إلى فلان وأنعشته ونحو ذلك . وأصل المنّ القطع .
وهناك وجه آخر وهو أنّ الاستثناء منقطع والمستثنى منه الشّيخ والصّبيان والزّمنى . وهذا ضعيف ؛ لضعف هذا القول وسقوطه من أصله .