ومللت . والضلول : الضالّ . وضللت الطّريق كمللت وكلّ شيء مقيم لا يهتدى له وضلّ هو عنّي وأضلّ فلان البعير والفرس : ذهبا عنه كضلّهما . وضلّ يضلّ - وتفتح الضّاد - ضلالا : ضاع ومات وصار ترابا وعظاما وخفي وغاب . وفلانا :
أنسيه . ومنه : « أنا من الضّالّين » وضلّني : ذهب عنّي .
أقول : ومن الأوّل قوله تعالى :
« وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ » .
( البقرة / 108 ) ومن الثاني قوله تعالى :
« لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ » .
( الأنعام / 94 ) ومن الثالث قوله تعالى :
« أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ » .
( السّجدة / 10 )
وواضح أنّ ما ذكره القاموس أنّ من معاني ضلّ مات وغاب وصار ترابا وعظاما ، من باب موارد الاستعمال بعناية خفائهم في الأرض واختلاطهم بالتّراب . وليس مراده أنّ معنى ضلّ أي مات أو صار ترابا وعظاما .
والباحث المتدبّر والمطّلع يظفر على أزيد ممّا ذكرنا من موارد الاستعمال . والمعنى الوحدانيّ في جميع ما ذكرنا من الموارد ، هو الجهل بالواقع . وإنّما تفرّق بينها باعتبار متعلّق الضّلال . إلّا أنّه كم فرق بين الضّلال عن التّوحيد وبين الضّلال عن الأمور العاديّة .
وممّا ذكرنا يعلم الكلام في الهداية أيضا . فالهداية بجميع جوانبها ومعناها في كلّ مورد ومورد ، تقابل الضّلال بحسب مورد ومورد . فالضّلال في كلّ مورد يقابل الهداية فيه . مثلا الهداية العامّة في كلّ شيء - كما في قوله تعالى :
« الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى » .
( طه / 50 ) - تقابل الضّلال بحسب مورد تلك الهداية . وهكذا في كلّ مرتبة ومرحلة .
فالهداية في شأن النبوّة والرّسالة ووجدان نورهما ، تقابل فقدانهما والضّلال عنهما . فإذا ذكر متعلّق الهداية والضّلالة في الكلام ، فلا كلام . وإذا لم يذكر ، فعلى عهدة المفسّر التحرّي والاجتهاد في الاستظهار وتشخيص المتعلّق فيهما .
إذا تقرّر ذلك فنقول : إنّ الآيات الكريمة صدرا وذيلا بيّنة الدلالة في أنّ اللّه - سبحانه - في مقام الامتنان وإبراز العطف والحنان على رسوله وصفيّه - صلّى اللّه