وفيه أيضا قال : قال زيد بن عليّ : إنّ من رضا رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - أن يدخل أهل بيته الجنّة .
أقول : هذا البيان عن الصّادق - عليه السّلام - وعن محمّد بن عليّ وزيد بن عليّ - عليهما السّلام - لا ينافي ما ذكرناه من الإطلاق في العطاء من حيث أنواعه وأقسامه ومقاديره وحدوده معلّقا ومقيّدا برضا الرسول - صلّى اللّه عليه وآله - فقط . فإنّ الظّاهر أنّ هذا البيان عن الصّادق - عليه السّلام - ومن غيره لبيان المصداق لا لبيان تمام المراد من الآية الكريمة .
فإن قلت : كيف يكون العطاء في الآية مطلقة من حيث المشيئة ؟ فإنّ من أنواع العطاء الشّفاعة وهي معلّقة بمشيئة اللّه - سبحانه - في الشّافعين والمشفوعين أيضا . فلا يقدر أحد أن يشفع لأحد إلّا بإذن اللّه . ولا ينال أحد ولا ينتفع أحد من الشّفاعة إلّا من ارتضاه - سبحانه - ويأذن له بخصوصه ؛ كما هو مفاد الآيات المسوقة لإفادة الشفاعة . قال تعالى :
« مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ » .
( البقرة / 255 )
« وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ . لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ . يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ » .
( الأنبياء / 26 - 28 )
« وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى » .
( النجم / 26 )
فهذه الآيات ونظائرها دالّة وشاهدة على أنّ الشّفاعة من المقرّبين إنّما هي بعد إذن اللّه ، وانتفاع المشفوعين منحصر فيمن ارتضاه اللّه .
قلت : ليس في هذه الآيات ما ينافي مفاد الآية المبحوثة . فإنّ الآيات إنّما تدلّ على توقّف الشّفاعة بإذنه تعالى ومشيئته واستفادة المشفوعين برضائه - سبحانه - تحفّظا على التّوحيد وأنّ الأمر كلّه بيده وفي قبضته وله الشّفاعة جميعا وهو تعالى يملكها ولا مالك لها سواه . وهذه الآية تدلّ على أنّه - سبحانه - قد شاء ذلك وحكم به بحسب وعده الصادق الجميل . وسينجز تعالى وعده لرسوله وحبيبه ولا يخلف الميعاد البتّة ويعطي له - صلّى اللّه عليه وآله - مقام الشفاعة في مجمع ومحتشد من الأوّلين والآخرين وفي مشهد أوليائه المقرّبين وأكابر الموحّدين فيشفع ويشفّع ويسأل فيعطى .