قوله تعالى :
« أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى
( 6 ) » .
بيان : الآية الكريمة وما بعدها من الآيات مسوقة في سياق الآيات السّابقة الّتي كانت في مقام تزهيده - صلّى اللّه عليه وآله - عن الدّنيا ورفع شأنه عن الابتلاء بها ؛ وتنبيه وتذكرة بعناياته تعالى الخاصّة الكريمة بيده البارّة الوصولة به - صلّى اللّه عليه وآله - قبل رسالته وبعدها .
والاستفهام تقريريّ يريد تعالى تثبيت إفادة الآيات السّابقة . أي : كيف يصحّ أن يقال إنّه تعالى تركك وأبغضك ؟ ! وقد كنت يتيما فآواك مأوى حسنا فربّاك في حجور طاهرة . وسينجز لك نفوسا زكيّة وقلوبا عطوفة . فعنى ربّك بشأنك واهتمّ بأمرك فيراقبك ويلاحظك بعين عنايته لحظة ثمّ لحظة ونظرة بعد نظرة .
أقول : هل يمكن ترفيع القدر إلّا بذكر أوصاف الكمال وببيان ما يصير مجلّلا وممجّدا ؟ ! فالآيات في سياق قوله تعالى :
« أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ . . . » .
فيندفع ما يمكن أن يقال : إنّ المنّة من المنعم الكريم آفة لإحسانه وانتقاص لعطائه . وقد نهى تعالى عنه حيث قال :
« لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى » .
( البقرة / 264 )
ووجه الدّفع أن يقال : إنّه فرق واضح بين ذكر الإحسان ليمنّ به على المنعم عليه ، وبين أن يذكره لإبانة فضله وكماله وتعريف مقامه وجلاله . وهذه سنّته تعالى في كتابه الكريم في التّنويه والرفع لشأن أنبيائه وأصفيائه بذكر نعوتهم الجليلة الّتي أكرمهم بها . كما قال تعالى :
« . . . يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ » .
( الأعراف / 144 )
« . . . يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ . . . » .
( المائدة / 110 )
قال في المجمع 10 / 506 : وقد طعن بعض الملحدين فقال : كيف يحسن الامتنان بالإنعام ؟ ! وهل يكون هذا من فعل الكرام ؟ ! والجواب : إنّ المنّ إنّما يقبح من المنعم إذا أراد به الغضّ من المنعم عليه والأذى له . فأمّا إذا أراد التذكير لشكر