دخل رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - على فاطمة - عليها السّلام - وهي تطحن بالرّحى وعليها كساء من جلّة الإبل . فلمّا نظر إليها ، بكى وقال لها : يا فاطمة ، تعجّلي مرارة الدنيا بنعيم الآخرة غدا . فأنزل اللّه عليه :
« وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى . وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى » .
وفي نور الثقلين 5 / 594 ، عن المناقب : تفسير الثعلبي عن جعفر بن محمّد - عليهما السّلام - وتفسير القشيري عن جابر الأنصاريّ أنّه قال :
رأى النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - فاطمة - عليها السّلام - وعليها كساء من أجلّة الإبل وهي تطحن بيديها وترضع ولدها . فدمعت عينا رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - فقال : يا بنتاه ، تعجّلي مرارة الدّنيا بحلاوة الآخرة .
فقالت : يا رسول اللّه ، الحمد للّه على نعمائه . والشكر للّه على آلائه . فأنزل اللّه :
« وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى » .
أقول : الروايات الشّريفة ناصّة على تعيين الغرض المسوق له الكلام وشاهدة على ما ذكرناه من أنّ الآية في مقام تزهيده - صلّى اللّه عليه وآله - عن الدّنيا وزهرتها وزينتها وتربية عترته الطّاهرين وأوليائه المخلصين . فإنّه - صلّى اللّه عليه وآله - رأى الزّهراء الطّاهرة وشاهد ما كانت فيه من مرارة الدنيا ، فرضي بذلك وأمضاه وأمرها بالصّبر والتحمّل في هذه الأيّام القلائل . وفي هذا بلاغ وذكرى لقوم يعقلون .
وأمّا توهّم اختلاف هذه الرّوايات من حيث وقت نزول الآية - فإنّ رواية المجمع : « فقد أنزل اللّه عليّ : ولسوف يعطيك . . . » وهو المطابق لرواية ابن عبّاس أنّ السّورة مكيّة . ورواية البرهان ونور الثقلين : « فأنزل اللّه عليه . . . » تدلّ على أنّ السّورة مدنيّة - فالأمر فيه سهل . لأنّ تسليته - صلّى اللّه عليه وآله - فاطمة - عليها السلام - بقراءة الآية عليها أو أمرها بالصّبر وتسليتها عن الدّنيا ونزول الآية في شأنها متّحدة المقال فيما نحن بصدده من تعيين الغرض في المقام . وسنشير في ذيل البحث إلى ما هو المختار ووجه التّرجيح فيه - إن شاء اللّه .