أقول : الوادع من باب المفاعلة : التّرك من الجانبين . وقلى بمعنى أبغض وكره .
فقوله تعالى :
« ما وَدَّعَكَ . . . »
جواب للقسم . وقد أقسم - سبحانه - بالنّهار واللّيل أنّه ما ترك رسوله وما أعرض عنه وما أبغضه وما كرهه .
وقد اضطرب كلام بعض المفسّرين في وجه الارتباط بين قوله تعالى :
« ما وَدَّعَكَ . . . »
وبين قوله :
« وَلَلْآخِرَةُ . . . » .
قال في الكشّاف 4 / 766 : كيف اتّصل قوله :
« وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى »
بما قبله ؟ قلت : لمّا كان في ضمن نفي التّوديع والقلى ، أنّ اللّه مواصلك بالوحي إليك وأنّك حبيب اللّه ولا ترى كرامة أعظم من ذلك ولا نعمة أجلّ منه ، أخبره أنّ حاله في الآخرة أعظم من ذلك وأجلّ وهو السبق والتقدّم على جميع أنبياء اللّه ورسله وشهادة أمّته على سائر الأمم ورفع درجات المؤمنين وإعلاء مراتبهم بشفاعته ، وغير ذلك من الكرامات السّنيّة .
أقول : لا يخفى ما فيه من الاختلال . ولم يأت بشيء مبين في توجيه قوله تعالى :
« ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى » .
فكأنّه رضي بما ورد في رواياتهم أنّ الآية في تكذيب من قال إنّ اللّه ودّعه وقلاه . فحينئذ كيف يرتبط قوله :
« وَلَلْآخِرَةُ . . . »
إلى الآية السّابقة ؟ !
ثمّ إنّ قوله : « أخبره أنّ حاله . . . » هل هو وعد من اللّه - سبحانه - أو إخبار أنّه أراد ذلك تكوينا ؟ وسنشير إلى توضيحه في ذيل البحث - إن شاء اللّه .
وقد أوردوا في المقام عدّة من الرّوايات في شأن نزولها وزعموا أنّها تصلح لتوجيه قوله تعالى :
« ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى » .
منها ما في الكشّاف 4 / 766 : وروي أنّ الوحي قد تأخّر عن رسول اللّه ( ص ) أيّاما فقال المشركون : إنّ محمّدا ودّعه ربّه وقلاه . وقيل : إنّ أمّ الجميل امرأة أبي لهب قالت له : يا محمّد ، ما أرى شيطانك إلّا قد تركك . فنزلت .
أقول : وروى في حاشية الكشّاف بالإسناد عن زيد بن أرقم ما يقرب منه . وروى عن جندب بن عبد اللّه البجليّ قال : وجاءت امرأة - وذكر مثله . وفي المجمع 10 / 504 : قيل : إنّ المسلمين قالوا : ما ينزل عليك الوحي يا رسول اللّه ؟ فقال : وكيف ينزل عليّ الوحي وأنتم لا تنقون براجمكم ولا تقلمون أظفاركم .