وعطاياه ما يرضاه . وأعلمه وأخبره بأنّ تزهيده عن الدّنيا وعدم رضائه - سبحانه - بذلك ليس إلّا لأجل احتقار الدّنيا وأنّها لا تليق ولا تتناسب بعلوّ مقامه ، لا أنّه تعالى ودّعه وقلاه .
ومن اللّطائف الكريمة في هذه السّورة المباركة أنّه - سبحانه - أقسم بالضّحى وباللّيل أنّه تعالى ما ودّع حبيبه وما قلاه . ثمّ في التعبير بالخطاب مرّة بعد أخرى بقوله :
« ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ »
عناية بالغة بشأنه - صلّى اللّه عليه وآله - واعتناء واهتمام بمقامه .
قوله تعالى :
« وَالضُّحى
( 1 ) » .
الواو للقسم . وفي القاموس 4 / 356 : الضحاء - بالمدّ - : إذا قرب انتصاف النّهار . وبالضمّ والقصر : الشّمس . أتيتك ضحوة وضحى . وأضحى : صار فيها .
فالظاهر أنّ المراد من الضّحى مطلق النّهار المقابل للّيل . أي : ما دامت الشّمس تضيء الصّفحة الّتي تواجهها من الأرض . ويؤيّد ذلك ما ذكره في المجمع 10 / 504 قال : أقسم - سبحانه - بنور النهار كلّه . من قولهم : ضحى فلان للشّمس : إذا ظهر فيها .
وقيل : الضّحى صدر النّهار . ( المجمع 10 / 504 ) والأظهر هو الوجه الأوّل .
قال تعالى :
« أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ . أَ وَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ » .
( الأعراف / 97 و 98 )
فالضّحى في الآية المباركة ما هو المقابل للبيات الواقع في اللّيل .
قوله تعالى :
« وَاللَّيْلِ إِذا سَجى
( 2 ) » .
قال في القاموس 4 / 342 . سجا سجوا : سكن ودام . ومنه : البحر والطرف الساجي . والظّاهر أنّ المراد من سكون اللّيل سكون ما فيه من الأصوات أو ركود ظلامها .
قوله تعالى :
« ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى ( 3 ) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى
( 4 ) » .