هذه الجملة صفة للأتقى وذكر شيء من شؤونه ونعوته . أي : يؤتي ماله في سبيل اللّه لتزكية نفسه وتطهيرها من الرذائل وتحليتها بالفضائل ، أو يريد إخراج الزّكاة المقرّرة عن ماله - كما في قوله تعالى :
« قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى . وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى »
( الأعلى / 14 و 15 ) - بناء على بعض الأقوال من أنّ المراد في قوله :
« يَتَزَكَّى »
هو زكاة الفطرة ومن الصّلاة صلاة العيد . ويكون ذلك من باب تقييد المطلق ، كما لا يخفى .
قال في الكشّاف 4 / 764 في تفسير المقام : أي يطلب أن يكون عند اللّه زاكيا لا يريد به رياء ولا سمعة . أو تفعّل من الزكاة .
أقول : الظّاهر هو الثاني . فإنّ قوله :
« يَتَزَكَّى »
بدل من قوله :
« يُؤْتِي مالَهُ »
واحتمال أن يكون حالا من الفاعل في الجملة الأولى لا وجه له ، لاشتراط المقارنة بين الحال وبين ما هو العامل في الحال وذي الحال ، إذا كانت الحال مشتقّة . لأنّ تزكية النّفس بمعنى تطهيرها من الرذائل ، أو بمعنى تطهيرها من قذارات الذّنوب ، ليست مقارنة للإيتاء الّذي هو العامل في الحال ، بل التزكية بكلا المعنيين متأخّرة بحسب الزّمان والرّتبة عن الإيتاء ؛ كما في قوله تعالى :
« خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها »
( التّوبة / 103 ) بناء على أنّ المراد من التّطهير التّزكية ؛ أي : تطهير ذواتهم ونفوسهم لا تطهير أموالهم .
مع أنّ التزكية بالمعنى الثاني - أي تطهير الإنسان من قذارات الذنوب ودرن المعاصي - إنّما يكون بمعرفته وفعل منه تعالى تفضّلا وليس من فعل الإنسان الأتقى .
وبعبارة أخرى : التّزكية بهذا المعنى هو ثوابه تعالى وغفرانه في مقابل إيتاء المال وليس من فعل الأتقى كي يكون حالا منه .
فاتّضح من جميع ما ذكرنا أنّ الظّاهر في قوله :
« يَتَزَكَّى »
هو إخراج الزكاة المقرّرة لا تزكية النّفس . ولا ننكر أنّ التّزكية قد تترتّب على أداء الزكاة أيضا لكلا معنييه ؛ أي : التّطهير من الرّذائل أو بمعنى غفران الذّنوب والتخلّص منها .
قوله تعالى :
« وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى
( 19 ) » .
أي : ليس لأحد من النّاس يد حسنى عليه ، ولا معروف سابق في ذمّته ، كي