تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 535

مساهمون:

ص٥٣٥
بالطّفرة والمماطلة . كما أنّ هذا التقدير والتحسين فيمن أعطى واتّقى وتحذّر عن مخالفة الأمر . فلا يصحّ أن يقال : إنّ رسول اللّه استدعى في المدينة شيئا من المال من كافر فأبى وامتنع على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله . فنزلت الآيات في قدحه أو إعطائه الكافر . فنزلت الآيات بالبشارة عليه بالنّجاة . وقد ورد في عدّة من الرّوايات ما خلاصته : إنّه كان لرجل نخلة في دار جاره الفقير فكان يدخل عليه بغير إذنه . فشكا ذلك إلى رسول اللّه . فدعا - صلّى اللّه عليه وآله - صاحب النّخلة واستدعى أن يبيع نخلته بنخلة في الجنّة . فأبي ذلك . إلى أن قال : فسمع ذلك أبو الدحداح فذهب إلى صاحب النخلة واسترضاه فاشتراها بأربعين نخيلة . فجاء إلى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - فقال له : إنّ النخلة صارت ملكا لي . فاصنع بها ما شئت . فنزلت الآيات . ( نور الثقلين 5 / 589 - 591 ) فحيث إنّ مورد النّزول هو المسلم الفاسق وهو القدر المتيقّن من الأشقى ، فلا مانع من شمولها لمن جرى مجراه من المنافقين والنصّاب المتظاهرين . قوله تعالى :
« وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى
( 17 ) » . بيان : الجنب هو الاحتراز والتنحّي إلى غير الجانب الّذي فيه الأمر المكروه . ولعلّ الإتيان بصيغة المجهول وعدم ذكر الفاعل ، للاهتمام التّامّ والعناية الخاصّة إلى شأن من تباعد عن النّار ؛ وهو الأتقى . كما قال تعالى :
« إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ » .
( الأنبياء / 101 ) والأتقى من هو شديد التّقوى بالنّسبة إلى من هو دونه من المتّقين لا بالنّسبة إلى الكلّ . فإنّ النّاس فيهم الأتقى فالأتقى . وقد أوضحنا في البيان السّابق أنّه لا دلالة في الآية الكريمة على اختصاص النّجاة من النّار بالأتقى . فلا تعارض ولا تنافي بين هذه الآية وبين الأدلّه الدالّة على نجاة غيره من المتّقين والمؤمنين من النّار . ضرورة أنّه لا يتصوّر التّعارض بين الأدلّة المثبتة لأنّ ثبوت شيء لا ينافي ثبوت ما عداه من قبل دليله . وإنّما التنافي بين المثبت والنافي . قوله تعالى :
« الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى
( 18 ) » .