تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 539

مساهمون:

ص٥٣٩
أقول : ومفاد الحديث مرويّ في روايات أخرى كثيرة . قوله تعالى :
« رَبِّهِ الْأَعْلى
( 20 ) » . تقدّم البحث في معنى الربّ في تفسير سورة الفاتحة . وسيجيء أيضا في سورة « الناس » . وقوله تعالى :
« الْأَعْلى » .
الظّاهر أنّه نعت تنزيهيّ للّه - سبحانه - من حيث ذاته ونعوته وأفعاله ، لنفي كلّ نقيصة وآفة وعلّة عن ذاته وطرد كلّ منقصة ورذيلة عن نعوته وأفعاله . فهو - سبحانه - أعلى وأرفع من التصوّر والتوهّم والتعقّل من حيث ذاته وأن يتّصف بشيء من صفات خلقه ، وأجلّ وأعلى من الضدّ والشريك والنظير . وهو أقدس وأعلى من العجز والجهل و . . . وأكرم وأعلى من أن يتطّرق عبث وقبح وظلم في أفعاله - الخ . ولا مانع أن يقال أيضا : إنّه نعت تمجيديّ مسوق لتمجيد الذّات بالعلوّ والارتفاع الواقعيّ المعنويّ . إلّا أنّ صيغة أفعل إذا نسب إلى اللّه - سبحانه - ينسلخ ويتجرّد عن معنى التّفاضل . ضرورة أنّ المفاضلة بين شيئين ، لا بدّ من المشاركة بينهما في أصل الفضل ، والزّيادة في واحد منهما ، واللّه - سبحانه - لا يشاركه في كمالاته أحد ولا يقاس بشيء من خلقه حتّى يكون أعلى منه . فعلى ذلك يكون المراد من أفعل شدّة النعت ويكون مفاد قوله تعالى :
« الْأَعْلى »
وقوله :
« وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ »
ونظائرهما : هو شديد العلوّ وشديد الكرم . وهكذا غيره من الموارد . قوله تعالى :
« وَلَسَوْفَ يَرْضى
( 21 ) » . هذا وعد جميل منه تعالى لمن أعطى ماله يتزكّى ، بالثّواب والإكرام حتّى يرضى به . ولا يصحّ أن يقال : إنّ فاعل « يرضى » هو اللّه - سبحانه . لأنّه تعالى رضي عن الأتقى عندما عمل الخير ورضاؤه تعالى ثوابه . وقد كتبه له وقدّره من دون اشتراطه بالزّمان المستقبل . وإنّما المشروط بالزمان رضاء الأتقى . ولسوف يرضى عندما يتفضّل اللّه عليه . وسينجز له ما وعده من الأجر .