فاتّضح ممّا ذكرنا أنّه لا فرق بين ولايته ومالكيّته - سبحانه - على شؤون الأولى والآخرة ، بل يجري فيهما حكمه وقضاؤه على حدّ سواء . وقال الشيخ ( قده ) في التّبيان 10 / 365 : وقوله :
« وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ »
معناه الإخبار من اللّه بأنّ له دار الآخرة والجزاء فيها على الأعمال ، والأمر والنّهي ليس لأحد سواه . لأنّ دار الدّنيا قد ملّك فيها أقواما التصرّف . وقوله :
« وَالْأُولى »
معناه : وإنّ لنا الأولى أيضا يعني دار الدّنيا . فإنّه الّذي خلق الخلق فيها وهو الّذي مكّنهم من التصرّف فيها وهو الّذي ملّكهم ما ملّكهم . فهي أيضا ماله على كلّ حال .
أقول : هذا في غاية الضّعف . إذ قد عرفت أنّ مالكيّته تعالى في مرتبة مقدّمة على مالكيّة ما سواه . فهو - سبحانه - مالك في مرتبة مالكيّة غيره على ما يملّكه الغير أيضا . فلم تقطع ملكه عمّا ملّكهم ولم ينعزل ملكه في مورد مالكيّة غيره ، بل ملكه نافذ على ذواتهم ومملوكاتهم أيضا . فمالكيّة ما سواه في طول مالكيّته تعالى بتمليكه ، لا في عرضه .
قوله تعالى :
« فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى
( 14 ) » .
الأصل : تتلظّى ؛ أي : تلتهب . والظّاهر من السّياق أنّه تعالى بعد ما أثنى على نفسه بأنّه مالك الدّنيا والآخرة ، فأنذرهم بأعظم سطوة من سطواته ؛ فهي النّار الكبرى الّتي تحت مالكيّة مالك الدّنيا والآخرة .
قوله تعالى :
« لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى
( 15 ) » .
قال في المجمع 10 / 502 : أي : لا يدخل تلك النّار ولا يلزمها إلّا الأشقى .
أقول : هذه الجملة نعت ثان لقوله :
« ناراً » .
فلا محالة تفيد تقيّد إطلاق قوله :
« ناراً » .
فإنّها نكرة سارية في جميع أفراد المطلق على نحو البدل . فاحتفظ بذلك حتّى نتلو عليك منه ذكرا - إن شاء اللّه .
قال في لسان العرب 14 / 438 : الشّقاء والشّقاوة - بالفتح - : ضدّ السعادة .
يمدّ ويقصر . . . . والشّقاء : الشدّة والعسرة .
فمفاد هذه الآية الكريمة أنّه لا يقاسي حرّ هذه النار ولا يدخلها إلّا الأشقى ؛