تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 530

مساهمون:

ص٥٣٠
عملا وخارجا عن القيام به . أمّا الإيجاب الفلسفيّ بمعنى استحالة تركه ، أو وجوب الفعل بمعنى قبح تركه ، فلا يستفاد من الآيات الكريمة . ولو قام الدّليل العقليّ على الإيجاب أو الوجوب ، يكون حمل الآيات عليه تطبيقا لا تفسيرا . قوله تعالى :
« وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى
( 13 ) » . بيان : قد ذكرنا أنّ الآية الكريمة مسوقة في مقام تمجيده تعالى نفسه باختصاصه وتوحّده بمالكيّته للآخرة والأولى . والظّاهر أنّ الآخرة أي الدّار الآخرة ؛ وهي الّتي ينتقل إليها الإنسان بالموت ويستقرّ فيها . وسمّيت آخرة لأنّها في مقابل الأولى ، أو لتأخّرها عن الدّنيا عند الرجوع إليها والوفود عليها . وقوله تعالى :
« وَالْأُولى »
؛ أي : الدّار الّتي نعيش فيها . وتسميتها بالأولى لكونها أوّلا بالنسبة إلى الآخرة بحسب الزمان . وتسمّى الأولى الدّنيا أيضا . ولعلّ وجه التسمية فيها دنوّ أيّامها وساعاتها من أهلها . ولا يبعد إطلاق الدّنيا على الأولى الدّار الفانية لدناءتها وخسّتها . قال في القاموس 4 / 330 : الدّنيا نقيض الآخرة . أقول : لعلّ مراده أنّها ضدّ الآخرة . والمرتكز في أذهان النّاس أنّ الآخرة هي القيامة يوم يقوم النّاس لربّ العالمين للحساب والجزاء . أقول : الظّاهر أنّ الآخرة مقابل الدّنيا وهي النشأة الباقية والدّار الخالدة الموجودة المخلوقة ينتقل إليها الإنسان بالموت ويدخل فيها . وبالموت يرتفع الحجاب وينكشف الغطاء ، فيرى ويشاهد ما هناك من الحقائق والأعيان والأشخاص من أهل تلك الدّار . ولذلك سمّيت حال الاحتضار حال المعاينة . وفي رياض السالكين / 418 قال السيّد ( قده ) : وتواترت الأخبار بأنّ الميّت يرى ملك الموت عيانا ويخاطبه عند كشف الغطاء . ويسمّى وقت المعاينة . أقول : فللآخرة مواقف ومنازل . فالقبر أوّل منزل من منازل الآخرة . ويسمّى إلى يوم البعث والحشر برزخا في لسان الكتاب والسنّة . قال تعالى :
« . . . وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ » .
( المؤمنون / 100 )