اهتدى وأنّه المالك للآخرة والأولى .
وقد يتبادر إلى الأذهان - كما أوردناه عن الكشّاف وعن المجمع - أنّ قوله تعالى :
« إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى »
فيه دلالة على وجوب الهداية عليه تعالى حيث صرّح تعالى أنّ الهداية عليه ؛ أي : على عهدته . وهذا البيان أصرح وأظهر في إفادة الوجوب واللّزوم .
أقول : الإنصاف أنّه بعد الرجوع إلى أمثال المقام من الآيات الكريمة والتّدبّر فيها ، يظهر ويتبيّن أنّ هذا الظّهور المتبادر ظهور بدويّ لا اعتبار به ولا يصحّ الاتكاء عليه . قال تعالى :
« وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ » .
( هود / 6 )
« فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ » .
( الرعد / 40 )
« إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ . ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ » .
( الغاشية / 25 و 26 )
فالظّاهر أنّ هذه الآيات والآية المبحوثة ، لا يستفاد منها إلّا بيان توحّده تعالى في مورد هذه الآيات أي : إنّه هو الهادي ؛ وهو - سبحانه - هو الرزّاق وهو المحاسب والمرجع لجميع الخلق ، وحده لا شريك له . وأمّا دلالتها على الوجوب واللّزوم ، فليلتمس من الأدلّة الأخرى . ومنشأ الخلط ما ذكروه في علم الكلام من قولهم بوجوب بعث الأنبياء وتشريع الدّين والأحكام عليه - سبحانه . وهذا القول ، على فرض صحّته وتماميّته بحسب الدليل والبرهان ، أجنبيّ عن مفاد الآية .
وصحّة الدّليل المذكور في حدّ نفسه ، لا توجب ظهور الآية فيه . فإنّ التّفسير هو الاستظهار والاستفادة من ظاهر الكلام فقطّ .
فإن قلت : إنّ قوله تعالى :
« إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى »
وقوله :
« عَلَى اللَّهِ رِزْقُها »
له ظهور قويّ في ضمانته تعالى وتعهّده هداية العباد وأرزاق النّاس . وهذا التعهّد والتّضمين أمر تكوينيّ لا يتخلّف عن مورده البتّة وبالمآل يستفاد الوجوب واللّزوم .
قلت : كلّا ! لأنّ هذا الضّمان والتعهّد ، لا يستفاد منه إلّا جريان سنّته المقدّسة