تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 531

مساهمون:

ص٥٣١
فلا يزال يسير الإنسان في هذه المواقف والمنازل حتّى ينتهي إلى القيامة . فالقيامة موقف من مواقف الآخرة ، لا أنّها هي الآخرة بعينها . وقيام الناس فيها لربّ العالمين ، حادثة من حوادث تلك الدار ، وقارعة من قوارعها . وما أدراك ما تلك القارعة ! ثمّ ينتهي إلى الموقف النّهائيّ ؛ وهو العرض على اللّه - سبحانه - والوقوف بين يدي ربّ العالمين للحساب . ويسمّي ذلك الموقف العرض الأكبر على اللّه . كما في البحار 77 / 83 في وصيّة النّبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - حيث قال لأبي ذرّ : « تجهّز للعرض الأكبر يوم تعرض لا تخفى على اللّه خافية . » نعم ؛ بعد موقف الحساب ينتقل المؤمنون إلى دار كرامة اللّه الجنّة خالدين فيها ، والكفّار إلى دار الهوان الجحيم خالدين فيها ، والفسقة من أهل الإيمان على التّفصيل المقرّر في محلّه . وليست بعدهما دار يرتحل الإنسان إليها . نعم ؛ لأهلهما درجات ومقامات يسيرون فيها إلى ما لا يعلمها إلّا اللّه . وهذه الدّار الآخرة وأهلها مستورة عن أهل الدّنيا تحت حجب الغيوب ، لا يمكن الإشراف والاطّلاع عليها إلّا عند كشف الحجاب بالموت . وهذه الدار وجميع ما فيها من الأعيان والأكوان حقائق مادّيّة بالضّرورة من الدّين والمقطوع من الكتاب والسنّة . والفرق بينها وبين المادّة الدّنياويّة أنّ الآخرة أشدّ تأثيرا وأقوى جوهرا وألطف مادّة من الدّنيويّة . وفي المقام أبحاث نفيسة لا مجال للخوض فيها . فقوله تعالى :
« إِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى »
؛ أي : إنّ له تعالى ملكهما تشريعا وتكوينا . وله التصرّف في جميع شؤون هذه الدّار الباقية بجميع أنحاء التصرّف بالقبض والبسط والرتق والفتق ، كما في الدّنيا ، يحكم فيهما ما يريد ويفعل فيهما ما يشاء طبق العدل والفضل ؛ إلّا أنّ هذه المالكيّة ، سيّما مالكيّة يوم الدّين ، تظهر اليوم بأكمل ظهوراتها وأتمّها . لأنّ المعارف فيه صارت ضروريّة لا مجال لإنكارها ولا عناد في شيء من شؤونها ويرتفع الحجاب ويذلّ الفراعنة ويسلب عنهم العظمة والكبرياء . وعنت الوجوه للحيّ القيّوم . وهنالك الولاية للّه الحقّ وحده لا شريك له .