الأوّل : لا يخفى أنّه لا دلالة في الآية الكريمة على اختصاص الهداية بالهداية التشريعيّة ، كما زعمه في الكشّاف ، ولا بالهداية التكوينيّة ، كما هو ظاهر المجمع . بل الظّاهر بمعونة الألف واللّام هي الأعمّ من التّكوينيّة والتّشريعيّة .
نعم ؛ تكون الهداية التكوينيّة هي المتيقّنة في الآية الكريمة والنوع البارز الجليّ من نوعي الهداية . وواضح أنّ الهداية التّشريعيّة من وضع الأحكام وجعل القوانين حقّ مطلق له - سبحانه - ليس لأحد فيها نصيب وضعا وجعلا ورفعا ونسخا . وقد فعل تعالى وتفضّل على النّاس ببعث النبيّين ووضع القوانين وقام بالبلاغ الحسن المبين . وقد أكرمهم - سبحانه - بما أضاء قلوبهم بشعاع العقل وأنار أرواحهم بضياء الفطرة ، حيث عرّفهم المحسّنات والمقبّحات الضّروريّة الذّاتيّة والمستقلّات العقليّة . وهذا باب عظيم في الفقه والأحكام ، ومفتاح الأبواب في علم الأخلاق وتزكية النّفس وتحليتها . قال تعالى :
« هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ . . . » .
( الجمعة / 2 )
وكذلك الأمر في معرفته تعالى ومعرفة توحيده والإخلاص في عبوديّته وعبادته ، عند من يقول إنّ معرفته ضروريّة ليست بمكتسبة وقد تفضّل اللّه عليهم وعرّفهم نفسه وفطرهم على معرفته تكوينا ؛ حيث يقول - سبحانه - :
« فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ . . . » .
( الروم / 30 )
ثمّ أقام - سبحانه - الحجج ونصب الأدلّة ووضع الآيات والعلامات واستدلّ واحتجّ بها على ألسنة رسله وحججه ، تذكرة للغافلين والنّاسين وتثبيتا للمهتدين والمؤمنين وحجّة على المعاندين ومجادلة حسنة مع المنكرين . فسبحانه من إله ما أحسن صنعه وأجمل سنّته في تربية عباده وهدايتهم إلى ما يوجب مرضاته ! وهذا الّذي ذكرناه ، من جوامع الكلم ومفاد عدّة من النّصوص من الكتاب والسّنّة . فاحتفظ بها ؛ لعلّ اللّه يوفّقك في أيّام عمرك لشرح هذا الإجمال