- سبحانه - صادق الوعد ووافي القول ولا يخلف الميعاد البتّة . وأمّا العسرى ، فهو تهديد ووعيد منه تعالى . فلا يجب عليه - سبحانه - القيام بالوعيد . فإن أخذ وعاقب ، فهو وليّ العقوبة . وإن عفا وصفح ، فهو أولى بالعفو والإحسان .
قوله تعالى :
« وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى
( 11 ) » .
أي : إذا أخذه تعالى بسيّئاته وعاقبه بها ، فلا ينفعه ماله في دفع العذاب عنه إذا تردّى .
قال في الكشّاف 4 / 762 : تفعّل من الرّدى ؛ وهو الهلاك . يريد الموت . أو تردّى في الحفرة إذا قبر . أو تردّى في قعر جهنّم .
أقول : قد تقدّم في الرّواية عن الباقر - عليه السّلام - قال : « أما واللّه ما تردّى في بئر ولا من جبل ولا من حائط ، ولكن تردّى في نار جهنّم . »
قوله تعالى :
« إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى
( 12 ) » .
بيان : هذا استئناف للكلام أو جار على سياقه الأوّل وفي مرحلة التعليل لمّا مرّ في الآيات السّابقة من أنّ أخذهم وعقابهم بالعقوبة العسرى في الدّنيا وفي الآخرة أو تردّيهم في النّار ، إنّما هو بعد البيان وإقامة الحجّة والبرهان . والظّاهر هو الثّاني لما سيجيء من البيان - إن شاء اللّه .
والظّاهر من كلام بعض المفسّرين أنّ المراد من الهدى في الآية الكريمة هي الهداية التّشريعيّة . بإرسال الرّسل ووضع القوانين وتشريع الأحكام وإرشاد النّاس إلى مصالح دينهم ودنياهم . قال في الكشّاف 4 / 763 : إنّ الإرشاد إلى الحقّ واجب بنصب الدلائل وببيان الشّرائع .
وفي المجمع 10 / 503 : أخبر - سبحانه - أنّ الهدى واجب عليه . ولو جاز الإضلال عليه ، لما وجبت الهداية .
فالظّاهر من كلامه ( قده ) أنّ الهداية في الآية الكريمة هي الهداية التكوينيّة ، بقرينة مقابلة الهداية بالإضلال . كما أنّ صريح كلامه وجوب الهداية عليه تعالى .
فيقع الكلام في مقامين :