تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 514

مساهمون:

ص٥١٤
وكذلك مجازاة المذنبين على سيّئاتهم وجرائمهم . ولا يخفى أيضا أنّ الثّواب على الحسنات ، إنّما هو بفضله تعالى من غير استحقاق ولا استيجاب . وأمّا مؤاخذة الظّالمين وعذاب المذنبين ، حقّ طلق له تعالى عدلا واستيفاء لحقّه ، لمّا تجاوزوا وضيّعوا من حقّه واستهانوا بجلاله وشأنه فأنذرهم وحذّرهم من سطواته وعقابه . إلّا أنّه لا يجب عليه القيام بالوعيد واستيفاء حقّه . فإنّ ترك مطالبة الحقّ ليس بقبيح على الإطلاق . فلله تعالى استيفاء حقّه وأخذ الظّالمين أخذ عزيز مقتدر . وله تعالى العفو والصّفح . كما أنّ له التبعيض كمّا وكيفا وتأبيدا وتوقيتا . وقد حكم تعالى وقضى أن يخلّد في النار الكافرين وأن يعذّب فيها المعاندين أبد الآبدين . وله الحمد على ذلك . فإن قيل : فما تقول في الميعاديّات ؟ فقد وعد تعالى للمحسنين الثّواب والجزاء بما تقرّ به عيونهم على ألسنة رسله وسفرائه . فالثواب وإن لم يكن واجبا من قبل الاستحقاق ، إلّا أنّه واجب من قبل وعده تعالى . قلت : كلّا ! فإنّ خلف الوعد قبيح بالضرورة . واللّه - سبحانه - لا يخلف الميعاد البتّة . إلّا أنّه لا يوجب إبطال القدرة وفعل الثواب بالإيجاب التكوينيّ . فإنّ الحكيم لا يفعل إلّا ما يحمد ويمجّد عليه عن قدرته وسلطانه على الفعل الحسن مع بقاء القدرة على ضدّه ونقيضه ، لا سلب القدرة عن الضدّ والنقيض . فاتّضح أنّ المراد من المجازاة ما كان فعلا اختياريّا فيحمد ويمجّد على عدله وفضله سواء كان بمعناه الاسم المصدريّ أو باعتبار خلقه ما تكون به الثواب والعقاب مثل الجنّة والنّار ونحوهما ، على ما نشير إليه - إن شاء اللّه .

[ الأمر ] الثّاني :

ثوابه تعالى في الآخرة هي الجنّة الخالدة الدّائمة بالنّعم الجسمانيّة واللّذائذ المادّيّة . ما لا عين رأت ولا أذن سمعت . والقرآن الكريم قد صرّح بذلك في محكمات آياته وقد أتى بجميع جوانب هذه الحقيقة الغيبيّة وجهاتها وشؤونها بالبيان الأوفى . وبالنعم الروحانيّة أيضا . فرضوانه تعالى وكراماته وإكرامه وحنانه والقرب منه ومعرفته في هذه الدار الباقية ، أبهى من كلّ لذّة وبهجة . وهذه قرّة عين المتّقين وغاية آمال المحسنين . فلا تزال تزيد ولا تبيد .
مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 514 | محمد باقر الملكي الميانجي