لا من حيث تبعيض التزكية .
وليس يشترط في تحقّق التزكية والطّهارة عنوان الرفع بأن يكون التطهير بعد التدنّس بتلك الأخلاق والأعمال الفاسدة ، بل عنوان الدفع كاف في تحقّق مصداق التزكيّة بأن يستعصم من ارتكابها ويتنزّه شخصه عن المهانة بالاقتحام فيها .
بل صدق ذلك العنوان على الطّهارة بالدفع بالأوّليّة والأولويّة . وكم من رجال أحرار أبرار تأدّبوا في محفظة قدسيّة إلهيّة وعصمة ربّانيّة ولم يعصوا اللّه طرفة عين .
فهم أئمّة الأزكياء وسادة المطهّرين الطّاهرين .
وامّا قوله تعالى :
« وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها »
قد حكم تعالى بالخيبة والخسران على من دسّى نفسه . فالويل كلّ الويل على الإنسانيّة والشخصيّة الكريمة الّتي أغواها وأفسدها . وظاهر الآية الكريمة أنّ الحرمان المطلق متوقّف على التدسية المطلقة . وأمّا التدسية من جهة دون جهة ، فخارجة عن مفاد الآية الكريمة .
وذكر الزمخشريّ في الكشاف 4 / 760 ما ملخّصه : إنّ قوله :
« قَدْ أَفْلَحَ . . . »
ليس جوابا للأقسام المذكورة في صدر السورة ، بل هو كلام تابع لقوله تعالى :
« فَأَلْهَمَها . . . »
على سبيل الاستطراد . وأمّا جواب القسم فمحذوف . أي : ليدمدمنّ على أهل مكّة لتكذيبهم رسول اللّه ( ص ) كما دمدم على ثمود لتكذيبهم صالحا .
أقول : لا دليل على هذا التقدير والتأويل . ولا مانع أن يكون جواب القسم قوله تعالى :
« قَدْ أَفْلَحَ »
كما ذكرناه وأشرنا إلى موقع هذه الجملة وأهمّيّتها في هذه السّورة .
[ سورة الشمس ( 91 ) : الآيات 11 إلى 15 ]
كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها ( 11 ) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها ( 12 ) فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها ( 13 ) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها ( 14 ) وَلا يَخافُ عُقْباها ( 15 )