تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 504

مساهمون:

ص٥٠٤
وتنعّم . وفي المرآة / 172 : الزكيّ من الطّعام : الطّيّب الحلال . ومن الناس : الطّاهر من الذنوب . وقيل : التامّ في أفعال الخير . أقول : وهذه المعاني سيّما تفسيره بالصّلاح والطّهارة ، مناسبة لسياق الآية الكريمة . قوله تعالى :
« وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها
( 10 ) » . يمكن أن يقال : إنّ « دسّاها » من باب التفعيل قلبت سينه الثّالثة ياء . ويمكن أن يقال : إنّه من باب التفعيل من دسّى يدسّي تدسية ، من غير تكلّف قلب السين ياء . وهذا هو الأظاهر . قال في القاموس 4 / 329 : دسى كسعى : ضدّ زكى . ودسّاه تدسية أغواه وأفسده . فقوله تعالى :
« قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها »
الظّاهر أنّ الجملة المباركة جواب للأقسام المذكورة في الآيات السّابقة وهي من الأغراض الأصيلة في هذه السّورة الكريمة . وقد أقسم تعالى أحد عشر قسما في تثبيت مفادها وتأكيدها . وهي بمنزلة التفريع والتعليل لقوله تعالى :
« فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها » .
أي : فألهمها فتفلح أو لتفلح . ولعلّ الوجه في الإتيان بصيغة الماضي هو حكمته تعالى لتحقّق الفلاح لمن عمل بعلمه واهتمّ بتزكية نفسه وتحتمّ الحرمان لمن أهمل أمر نفسه وخالف علمه بمعصية ربّه . وقد أوضحنا فيما تقدّم أنّ متعلّق الإلهام الفطريّ والبيان التكوينيّ هو التقوى والفجور من حيث المعنى الاسم المصدريّ ؛ وبعبارة أخرى : العلم بما يحبّه تعالى ويبغضه ، وبما يجب ويحرم في مرحلة العمل ، ومن حيث ما يتّقى ويفجر لا مجرّد العلم والمعرفة من دون عناية إلى حيث التقوى بالعمل به ومن دون عناية إلى حيث الفسق والفجور بالمخالفة لعلمه . فعلى هذا لا بدّ أن تكون التزكية المذكورة في الآية بالعمل بما يعلم أنّه موجب للفلاح والاجتناب عمّا يعلم أنّه من الفجور الّتي توجب التدسية . والظّاهر أنّ المراد من التزكية هي تطهير الإنسان نفسه من الأخلاق الّتي توجب تدنيس الإنسان بها وأنّ الفلاح على تلك التزكية والطّهارة وإن كان أدنى درجة من درجاتها ؛ أي بحسب درجات المتّقين بحسب العلم والكمال والإيمان والإخلاص ،