قال في مرآة الأنوار / 336 : واتّقيت الشيء تقيّة وتقاة : حذرته . والاسم :
التقوى .
وفي القاموس 4 / 403 : والاسم : التقوى ، أصله تقيا قلبوه للفرق بين الاسم والصّفة .
أقول : الظّاهر أنّ مراده من الاسم اسم المصدر ؛ كما هو كذلك في الفجور أيضا .
فالتقوى اسم المصدر وتقيا مصدر . والمراد من الإلهام التعريف التكوينيّ ؛ أي :
معرفه الشيء بالمعرفة الحقيقيّة بتعريفه تعالى .
ومتعلّق الإلهام في هذه الآية الكريمة هو التقوى والفجور ؛ أي معرفة عدّة من الأحكام بالعقل . وهو العلم الصّريح بوجوب عدّة من الأفعال أو حسنها ، وبتحريم عدّة من الأفعال أو قبحها . فالواجب مثل الإيمان باللّه على ما عرفه تعالى ، ووجوب تعظيمه والتسليم لجميع ما أمر ونهى ، وهكذا إلى آخر أبواب الطّاعة .
والمحسّنات مثل حسن الأخلاق من التواضع والمتانة وأمثالهما . والمحرّمات مثل الكفر باللّه والاستخفاف لشأنه وإساءة الأدب في ساحته ، ومثل الظلم والبغي وأمثالها .
وهذه الحرمة والوجوب ، وهذا الحسن والقبح ، ذاتيّ لهذه الأفعال وليس بجعل جاعل وتشريع شارع . وهي الّتي لا تقبل النسخ والتبديل . وطور التعليم والتربية فيها بالتّذكير والإرشاد إلى هذه البديهيّات كي يستضيء به المتعلّم ويستنير المتفقّه بضياء الهدى وشعاع العقل الّذي أودعه اللّه في روحه . غاية الأمر إنّ معرفته بسيطة يعرف ولا يعرف أنّه يعرف ؛ وبعد التذكير والإرشاد يعرف الرّشد من الغيّ ، ويعرف التقوى من الفجور ، ويعرف أيضا وجوب تبعيّة الرشد والقيام بوطائف العبوديّة بينه وبين ربّه ، ويعرف حرمة الاقتحام في الكفر والفسوق وقبح التّدنّس بأدناس الرذائل .
ومعرفة العقل وأحكامه باب تفتح منه أبواب كثيرة . وهذا هو الطريق الوحيد والأساس لعلم الأخلاق الوارد في الكتاب والسنّة . والآيات والروايات مشحونة بالتذكير بالعقل وحجّيّته والاحتجاج به والتشنيع بعصاة العقل
مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 500
مساهمون: محمد باقر الملكي الميانجي
ص٥٠٠