أقول : يستفاد من هذه الرّوايات أنّ الأشياء كلّها على سواء من حيث أن يقسم تعالى بها من غير أولويّة بعضها على بعض . وفي هذا إبطال للوجوه الّتي ذكرها المفسّرون في إثبات أولويّة في هذه الأشياء في الآيات الّتي أقسم بها - سبحانه . فليس بحيث يصلح بعض من الأشياء لأن يقسم بها وبعضها لا يصلح لذلك أصلا . وأقصى ما يمكن أن يقال إنّ بعضها أولى لمورد وبعضها في مورد آخر بحسب مقام الثبوت ، لا نفي الصّلاحيّة عن بعض والالتزام بصلاحيّة الأشياء الّتي أقسم تعالى بها في هذه الآيات فقط .
فإن قلت : أيّ مانع من الالتزام بما ذكره المفسّرون من أنّ وجه صحّة القسم بها اشتمالها على المنافع والمصالح الّتي جعل اللّه تعالى في هذه الأشياء ؟
قلت : وجود المصالح والحكم والأسرار العظيمة فيها ، لا ينهض دليلا لاختصاص جواز القسم بها دون غيرها . فإنّ كلّ ما مسّ عليه يد الجعل والخلقة بتقدير العليم الحكيم ، آية وعلامة لربوبيّته تعالى . فإنّ فيها من الأسرار والحكم ما لا يحصيها إلّا بارئها وجاعلها . قال تعالى :
« الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ » .
( الملك / 3 )
قوله تعالى :
« مِنْ تَفاوُتٍ »
؛ أي : من فائتة وضائعة . في القاموس 1 / 160 :
« ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ » ؛
أي : عيب يقول الناظر : لو كان كذا ، لكان أحسن . وقوله تعالى :
« مِنْ فُطُورٍ »
؛ أي شقوق وخلل . وفي مرآة الأنوار / 257 :
أصل الفطور والانفطار : الصدوع والشقوق والانشقاق .
فأجزاء العالم بأسرها على نظام متقن وصنع محكم مشتملة على المصالح والمنافع . فله تعالى أن يقسم بما يشاء من خلقه . فإنّ جميع الخلق وأجزاءه ما خلق إلّا لحكم ومصالح .
قوله تعالى :
« وَالشَّمْسِ وَضُحاها
( 1 ) » .
قال في القاموس 4 / 356 : الضّحو والضّحوة والضّحيّة - كعشيّة - : ارتفاع