به يذهب الناس ويجيئون .
فهؤلاء خير وبركة لأنفسهم ولغيرهم وأتباعهم من المؤمنين . فإنّهم يتواصون بالصّبر والثبات - أي : يوصي بعضهم بعضا بالصّبر والاستقامة ويوصي بعضهم بعضا بالرحمة لمن يحتاج إلى رحمتهم . فلا محالة يعملون بالوصيّة ويرحمون من دونهم . فهؤلاء وصيّتهم الصّبر والرّحمة ، وفعلهم وعملهم الصبر والرّحمة . قال الشيخ ( قده ) في تبيانه 10 / 355 : معناه : إنّهم متى فعلوا ذلك ، كانوا أصحاب الميمنة الّذين يعطون كتابهم بأيمانهم أو يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنّة . والميمنة : اليمن والبركة . والمرحمة : حال الرحمة .
وفيه أنّ ما ذكره حقّ في بابه ، إلّا أنّه غير مناسب لظاهر الآية وتفسيرها .
فإنّ أصحاب الميمنة في الدّنيا بالمعنى الّذي ذكرناه هم أصحاب اليمين في الآخرة بالمعنى الّذي ذكره الشيخ ( قده ) .
قوله تعالى :
« وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ
( 19 ) » .
الظّاهر من الكفر المذكور في الآية بحسب إطلاقه ، ما يشمل جميع مراحل الكفر المقابل للإيمان المذكور في الآية السّابقة . فالإيمان المذكور في الآية عند الاقتحام في العقبة ومرتبة الاقتحام فيها ومرتبة العبور عنها إلى أن صاروا من أصحاب الميمنة .
والمشأمة في هذا المقام ، ضدّ اليمن بالمعنى الّذي ذكرناه في الآية السّابقة .
فإن قيل : أيّ مانع أن يراد من الميمنة اليمن والبركة والخير وما هو ضدّ اليسار أيضا ، وأن يراد من المشأمة ضدّ البركة والشّمال أيضا ؟
قلت : لا يجوز ذلك لاستلزامه استعمال اللّفظ في أكثر من معنى واحد ، إلّا بضرب من التأويل بأنّ اليمين المقابل للشّمال بركة والشّمال المقابل لليمين شؤم فيكون أصحاب اليمين الّذين يعطون كتبهم بأيمانهم من أصحاب الميمنة . وكذلك الكلام في أصحاب المشأمة . فلا وجه ولا دليل لارتكاب ذلك من الاستعمالات . ولا جامع ولا اشتراك بين المعنيين .