ثمّ إنّ قوله تعالى :
« وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ . . . »
أيضا جملة مستأنفة يريد بها بيان العقبة بذكر بعض مصاديقها المناسبة للمقام . وهذا بناء على ما ذكرنا أنّ قوله تعالى :
« فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ »
أنّ « لا » للنّفي . أي : الإنسان العاصي بعد إتمام الحجّة عليه وإراءة النجدين عليه ، لم يقتحم العقبة . ثمّ استأنف الكلام لشرح العقبة على ما بيّنّاه تفصيلا .
وذكر بعضهم أنّ « لا » بمعنى ألا بحذف ألف الاستفهام أو بمعنى هلّا ، فيكون للتحضيض والترغيب . فيكون قوله :
« وَما أَدْراكَ . . . »
جملة معترضة بين قوله :
« فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ »
وبين قوله :
« ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ . . . » .
واحتجّ من قال بأنّ « لا » ليس للنّفي بل للتحضيض ، بأنّه لو كان بمعنى النفي ، لم يكن ارتباط بينه وبين قوله :
« ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا . . . » .
قلت : نعم ؛ إذا كان قوله :
« وَما أَدْراكَ »
جملة معرضة ، لم يكن ارتباط بين الجملة المنفيّة وبين قوله :
« ثُمَّ كانَ . . . » .
وأمّا إذا قلنا إنّها استئناف ، فلا يحتاج إلى ارتباط بينهما ، بل يكون قوله :
« ثُمَّ كانَ »
من تتمّة الجملة المستأنفة . ولا وجه للتكلّف أنّ « لا » بمعنى هلّا أو حذف عنها ألف الاستفهام .
قوله تعالى :
« ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ( 17 ) أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ
( 18 ) » .
عطف على الجملة المستأنفة . وذكر في الكشّاف أنّ العطف بثمّ لإفادة التّراخي ؛ لتراخي الإيمان وتباعده في المرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة ، لا في الوقت . لأنّ الإيمان هو السّابق المقدّم على غيره ولا يثبت العمل الصّالح إلّا به .
وهذا عجيب ! يريد الزمخشريّ أنّ الإيمان مقدّم على الفكّ والصّدقة بحسب الزمان ومتأخّر عنها بحسب الرّتبة والفضيلة . ولم يأت لما زعمه بحجّة واضحة . ولم يعقل أنّ الإيمان باللّه من أشرف الفرائض وأسناها . فالإيمان في صدر الواجبات والكفر في صدر المحرّمات .
وقال المولى الفاضل شبّر ( قده ) في تفسير هذه الآية : ثمّ للتّراخي أو للبعد في الرتبة ؛ لتقدّم الإيمان على سائر الطّاعات .