تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 491

مساهمون:

ص٤٩١
أقول : لمّا ذكر تعالى العقبة وبيّن حقيقتها ببيان بعض مصاديقها ، عطف عليها بثمّ ما يترتّب عليها من تأثيرها في النفوس والقلوب . أي : إنّ المؤمن المصلّي لأمر ربّه ، اقتحم العقبة بفكّ الرقبة والصّدقة ، ثمّ كان بعد وفائه لعهد ربّه وامتثاله لمولاه من الّذين آمنوا و . . . . وليس في الآية الكريمة إشعار بأنّ ثمّ لإفادة تقدّم الفكّ والصّدقة على الإيمان بحسب الرتبة والفضيلة . ولا إشعار فيها أيضا بأنّ ثمّ للتراخي الذكريّ أي الإيمان بعد ثمّ مقدّم بحسب الواقع على العتق والصّدقة ومتأخّر بحسب الذكر عنهما ، كما أفاده المولى شبّر ( قده ) . ضرورة أنّ الإيمان المفاض على المؤمن من فضل اللّه - سبحانه - بعد طيّ العقبة ، ثوابا وجزاء على طاعته ، غير الإيمان الّذي كان عليه قبل اقتحامه في العقبة . فالمذكور بعد الفكّ والصّدقة مرتبة سامية غير المرتبة الأولى . فلا مورد بأنّ هذا الإيمان مقدّم على الفكّ والصّدقة واقعا ومتأخّر ذكرا . وليس فيها أيضا إشعار بأنّ ثمّ لإفادة تقدّم الإيمان على العتق والصّدقة وتباعده عنهما . فقوله تعالى :
« ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ » ؛
أي : صار من جملة المؤمنين الكاملين الّذين ثبتت أقدام أرواحهم في صراط الإيمان واطمأنّت قلوبهم ويوصي بعضهم بعضا بالصّبر والثّبات والاستقامة في دين اللّه والعطوفة والرّحمة والبرّ على من دونهم من المؤمنين والمحتاجين . وقد صار هؤلاء الكرام الخيار من أهل الفوائد ، فيكشف - سبحانه - بهم كرب المكروبين وبهم يغيث المضطرّين و
« أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ » .
قال في لسان العرب 13 / 458 : اليمن : البركة . . . . والميمنة : اليمن . وقوله عزّ وجلّ :
« أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ »
؛ أي : أصحاب اليمن على أنفسهم . أي : كانوا ميامين على أنفسهم غير مشائيم . وجمع الميمنة : ميامن . أقول : الميمنة إذا استعمل في مقابل المشأمة - كما في هذه السّورة المباركة وكما في قوله تعالى :
« فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ . وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ . وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ »
( الواقعة / 8 - 10 ) - فالظّاهر أنّ المراد منه اليمن والبركة . والميمنة مصدر من يمن ؛ مثل مكرمة ومرحمة . وإذا استعمل في مقابل
مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 491 | محمد باقر الملكي الميانجي