تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 472

مساهمون:

ص٤٧٢
الدنيا واليوم يوم المجازاة بالثواب والعقاب . فيرتفع التنافي المتوهّم بين النّفي والإثبات في المقام . ذكره في الكشّاف والمجمع . قوله تعالى :
« يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي
( 24 ) » . أي : يا ليتني قدّمت من الصّالحات لأجل حياتي الباقية اليوم حتّى أحيا في المتّقين حياة طيّبة هنيئة . يقولها تحسّرا وتأسّفا . وذكر بعضهم وجها آخر ؛ وهو احتمال أن تكون الحياة بمعناها المصدريّ . وهو ضعيف . بل الظّاهر أنّ المراد هي الحياة بالمعنى الاسم المصدريّ الّتي هي عين الحياة الرّاضية المرضيّة الهنيئة بخلاف المعنى المصدريّ . قوله تعالى :
« فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ
( 25 ) » . فيه وجوه : الأوّل : إنّه لا يعذّب مثل عذاب اللّه أحد . لأنّه أشدّ المعاقبين في موضع النكال والنقمة . الثاني : إنّه لا يعذّب عذاب اللّه أحد غيره ، بل هو المتولّي لذلك . ولأنّ الولاية له والحكم إليه . الثالث : قيل : أي : لا يعذّب أحد من الزّبانية مثل ما يعذّبون هذا الإنسان . الرابع : إنّه لا يعذّب أحد أحدا في الدنيا مثل عذاب اللّه لهذا الكافر يومئذ . وأمّا على قراءة فتح الذال ، وهي القراءة المرويّة عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - كما في الكشّاف والمجمع ، فالمعنى : لا يعذّب أحد بما يستحقّ هذا الجاني ، بل يعذّب هو نفسه . فلا تزر وازرة وزر أخرى . أو : لا يعذّب مثل عذابه يومئذ ؛ لإصراره في كفره وعناده . وهذا أحسن الوجوه . وقد استشكل عليه أنّ أقصى ما يمكن أن يقال : إنّ هذا الإنسان الجاني من أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة ، لا أنّه أشدّ عذابا من الجمع . فإنّا نعلم أنّ إبليس أشدّ عذابا منه ، لكثرة جرائمه وجناياته من الجميع . والجواب : إنّ إطلاقه مقيّد بما يدلّ على أنّ من الكفّار والعصاة من هو أشدّ