نداوتها قبل جمودها ، أجنبيّة عن اضطرابها وميدانها في مرتبة جمودها . وإنّما أسكنها اللّه - تعالى شأنه - اضطراب حركاتها وميدانها بما ألقى عليها هذه الجبال الرّاسية .
في النهج / 328 الخطبة 211 قال - عليه السّلام - :
« وكان من اقتدار جبروته وبديع لطائف صنعته ، أن جعل من ماء البحر الزاخر المتراكم المتقاصف يبسا جامدا .
ثمّ فطر منه أطباقا ففتقها سبع سماوات بعد ارتتاقها . فاستمسكت بأمره وقامت على حدّه . وأرسى أرضا يحملها الأخضر المثعنجر والقمقام المسخّر ؛ قد ذلّ لأمره وأذعن لهيبته ووقف الجاري منه لخشيته وجبل جلاميدها ونشوز متونها وأطوادها فأرساها في مراسيها وألزمها قراراتها فمضت رؤوسها في الهواء ورست أصولها في الماء . فأنهد جبالها عن سهولها . فأساخ قواعدها في متون أقطارها ومواضع أنصابها .
فأشهق قلالها . وأطال أنشازها . وجعلها للأرض عمادا . وأرّزها فيها أوتادا . فسكنت على حركتها من أن تميد بأهلها ، أو تسيخ بحملها ، أو تزول عن مواضعها . فسبحان من أمسكها بعد موجان مياهها ، وأجمدها بعد رطوبة أكنافها ، فجعلها لخلقه مهادا وبسطها لهم فراشا ، فوق بحر لجّيّ راكد لا يجري وقائم لا يسري ، تكر كره الرّياح العواصف وتمخضه الغمام الذوارف . إنّ في ذلك لعبرة لمن يخشى . »
بيان : قال في القاموس 2 / 39 : « زخر البحر - كمنع - زخرا وزخورا وتزخّر : طمى وتملّأ . » والمتقاصف بمعنى المتزاحم المتدافع المزاحم .
قال عبده 2 / 191 : وليس المراد من البحر هذا الّذي نعرفه ؛ ولكن مادّة الأجرام قبل تكاثفها . وإنّما كانت مائرة مائجة أشبه بالبحر بل هي بحر أعظم .
قوله - عليه السّلام - : « يبسا جامدا . »
أقول : الظّاهر أنّه إشارة إلى المراتب المتأخّرة من تحوّلات الماء من هذا البحر المتراكم المتقاصف . أي : بعد كونه ماء ، ثمّ صار بعض منه بعوامل أحدثها تعالى فيه
مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 433
مساهمون: محمد باقر الملكي الميانجي
ص٤٣٣