تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 427

مساهمون:

ص٤٢٧
من باب التجاهل والتسامح في ناحية الحقّ والعلم واستخفافا لمقام المعرفة والحقيقة ؛ لوضوح الأمر وسطوع البرهان ، لو كانوا يعقلون . والاستفهام للتّوبيخ والعتاب ، على ما ذكرناه في صدر البيان . وذكر المفسّرون في تفسير المقام وجوها مختلفة في شأن خلقة الإبل وكيفيّة تدبير صنعها . وظاهر كلماتهم أنّ هذه الوجوه كلّها واردة في مرحلة الاستدلال والاحتجاج في الآية الكريمة . ونحن نلخّصها لك في ضمن وجوه : الأوّل : إنّ الإبل سفينة للبراري والصحاري . خلقها تعالى قويّة شديدة الطّاقة لحمل الأثقال والرّكوب في الأسفار والمفاوز والجبال . فتبرك وتشدّ عليها الأحمال ، وتركب وتقوى للنهوض والقيام ، مع عظيم جثّتها وثقل حملها . وهذه القوّة على النهوض والقيام من طول عنقها وطور خلقتها . الثاني : حسن خلقه ؛ حيث خلقها تعالى ذلولا مع شدّة قوّتها وعظيم جثّتها ، وتسخيرها للبشر لا تستعصي على البشر ولا تمتنع عليه ؛ إن انقيدت انقادت ، وإن استنيخت على صخرة استناخت ، ولو قادها صبيّ أو إنسان ضعيف ، لا تمتنع عليه ، فتبرك ويشدّ عليها حملها ويركبها . الثالث : قناعتها بشيء من الغذاء اليسير والعلف فإنّها ترعى بما تجد في الصحراء من دون احتياج أحيانا إلى التغذية من مال مالكه ، وتكتفي بشيء من أقسام العلف دون ما يكتفي به الفرس والبغل والحمار ، وشدّة مقاومتها في الأسفار بالمشاقّ ، وخاصّة طول طاقتها بالعطش والجوع . ولعلّ هذه المقاومة داخلة في الوجه الأوّل . الرابع : من حيث بركتها واستفادة المالك منها ؛ مع قلّة مؤونتها ونفقتها ، وكثرة معونتها من حيث جرّ الأثقال والأحمال والركوب والاستفادة من لبنها وصوفها ولحمها ونتاجها . ولا شيء من المراكب والحمولة بمنزلة الإبل ، من حيث الفائدة والبركة . ولذا قيل : إنّ الإبل من أنفس أموال العرب وأنفعها . أقول : ما ذكروه في شأن الإبل لا ريب فيه بحسب مقام الثبوت ؛ إلّا أنّ الظّاهر أنّ موضع الاستدلال والاحتجاج هو الوجه الأوّل والثاني ، وإن كان
مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 427 | محمد باقر الملكي الميانجي