قوله تعالى :
« وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ
( 8 ) » .
بيان : قال في القاموس 4 / 183 : ( النعيم ) . . . : الناعمة والمناعمة والمنعّمة - كمعظمة - : الحسنة العيش والغذاء . . . . وثوب ناعم وكلام منعّم - كمعظم - :
ليّن .
أقول : لمّا كان حسن العيش والرفاه في النّعمة يوجب نضارة الوجه وانبساطه ، ويكون أثر النعمة ظاهرا في الوجوه ، نسب الناعمة إلى الوجوه . والمراد الأشخاص والنفوس . فإنّ الناعمة هي الأشخاص . قال تعالى :
« تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ » .
( المطفّفين / 24 )
وأمّا على كونه بمعنى اللّيّن ، يكون المراد صباحة الوجه وحسن الجمال . لأنّ اللّه - سبحانه - يتفضّل عليهم بحسن الجمال فهم في زيّ الشّابّ الناعم .
وكلا الوجهين حقّ بحسب مقام الثبوت ؛ إلّا أنّ الآية ظاهرة في إثبات الوجه الأوّل ، بقرينة مقابلة الآية بالآيات الّتي بعدها . فإنّ قوله :
« راضِيَةٌ »
إنّما هي نعت ونسبة إلى الإنسان . وكذلك في الّتي بعدها ، أي الاستقرار والتمكّن في الجنّة العالية .
قوله تعالى :
« لِسَعْيِها راضِيَةٌ
( 9 ) » .
أي : سعي الإنسان وتعبه واجتهاده في الصّالحات وما يوجب الفلاح والنجاح . والظّاهر أنّ المراد نتيجة سعيه وثمرته العذبة المباركة . وهي الجنّة ورضوان اللّه وكرامته .
قوله تعالى :
« فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ
( 10 ) » .
الظّاهر أنّ علوّها بحسب الشّأن والدرجة . أمّا بحسب الشّأن ، فإنّها دار كرامة ومقرّ صدق ومقعد حقّ عند مليك مقتدر ؛ أعطاها - سبحانه - لأوليائه إكراما ، واختارهم لجواره تشريفا لا تبيد ولا تزول . وأمّا بحسب الدرجة ، فإنّ لهم مزيدا ودرجة وارتقاء إلى مرتبة فوق الأولى . هذا بحسب مقام الثبوت . وأمّا بحسب مقام الإثبات ودلالة الآية الكريمة ، فهي قابلة الانطباق لكلّ واحد منهما ولكليهما أيضا . فاللّه - سبحانه - أعلم بحقيقة كلامه .