السّلام - بآية أخرى تأكيد لما استظهره من الآية المبحوثة :
« عامِلَةٌ ناصِبَةٌ » .
قال تعالى :
« وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً . يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً . وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً » .
( الفرقان / 21 - 23 )
أقول : الآية الكريمة فيها إشعار بأنّها مختصّة بالكفّار ؛ إلّا أنّها بعد التدبّر والتأمّل ، لا تتأبّى عن صدقها وشمولها لعامّة المكلّفين المجرمين ودلالتها على حبط عمل المجرمين لا الإحباط بمعناه الاصطلاحيّ « 1 » ؛ بل المراد اشتراط قبول عمل العاملين بأن
هامش
( 1 ) - مورد النزاع في باب الحبط والتكفير - أي : سقوط ثواب الصّالحات بالمعاصي ، وسقوط عقاب المعاصي بالحسنات - في غير باب الإيمان والتّوبة . فالإيمان والإسلام يجبّ ما سلف من ذنوب الكفر وفسوقه والتّوبة مطهّرة لما سلف من دنس ذنوبه في غير الكفر والارتداد . فالكفر والارتداد يسقطان ثواب من آمن وعمل صالحا بالاتّفاق .
واختلفوا في ذلك على أربعة أقوال :
القول الأوّل : سقوط ثواب الطّاعات بالسيّئات مطلقا ؛ تقدّمت كلّ واحدة منها على الأخرى أو تأخّرت . وتشبّثوا ببعض الآيات الّتي فيها لفظ الحبط ، من غير تدبّر وتفقّه فيها . نسب ذلك إلى المعتزلة .
الثاني : سقوط ثواب الطّاعات المقدّمة بالسيّئة المتأخّرة مطلقا . فالمعصية الواحدة تبطل ثواب جميع ما عمل من الحسنات ، فيكون المكلّف كمن لا حسنة له أصلا وبالعكس ، فيبقى المكلّف كمن لا ذنب له أصلا . وهو المنقول عن أبي عليّ الجبّائيّ .
القول الثالث : ذهب أبو هاشم إلى الموازنة . ومعنى الموازنة : إنّه يسقط الأقلّ بالأكثر . ويسقط أيضا ما يقابل الأقلّ من الأكثر . فمن كانت له مثلا خمس حسنات وعشر سيّئات ، تسقط الحسنات الخمس وتسقط من السيّئات العشر خمس أيضا ، وتبقى خمس منها على حالها .
القول الرابع : بطلان القول بالحبط والتكفير رأسا وثبوت الثواب والعقاب وبقاؤهما . وقالوا :
إنّ الثواب على الإيمان والحسنات ، مشروط بأن يعلم اللّه أنّ هذا المكلّف يموت على الإيمان وعلى الصّلاح . والعقاب على الكفر والفسوق ، مشروط بأنّ يعلم اللّه أنّه لا يؤمن ولا يتوب . وبذلك أوّلوا جميع الآيات والروايات الكثيرة المصرّحة بالحبط والتكفير . وهذا ما اختاره المحقّق الطّوسيّ والعلّامة الحلّيّ ( قدّس سرّهما ) بعد إقامة الدليل على إبطال الأقوال الثّلاثة المذكورة . ومرجع ما ذكره المحقّق الطّوسيّ ( قده ) إلى -